أمجـد توفيـق
روائي وكاتب عراقي
في البدء أقول :
إن تكريم المفكر العربي الكبير عبد الحسين شعبان في يوم الوفاء الذي تقيمه دار سعاد الصباح ، يمثل انتصارا كبيرا على عدة مستويات :
إنه انتصار للقيم التي تفرزها مسيرة طويلة
وهو انتصار للجمال وقيمه التي تمنح الحياة سعة إضافية
وهو اعتراف بالجهد النوعي والانجاز المتفوق للمفكر شعبان
وما دام الأمر كذلك فمن حقنا أن نعد التكريم شارة نضعها على صدورنا في موضع قريب من القلب ، فهي حصتنا من الفرح في تكريم من يستحق ذلك بجدارة ..
عبد الحسين شعبان :
للأشجار قوانينها
فشجرة التفاح تنتج تفاحا
وشجرة البرتقال تنتج برتقالا
لكن شجرة الدكتور عبد الحسين شعبان شجرة عجيبة ، فكل غصن من أغصانها الوارفة تنتج ثمارا مختلفة ، ولكل ورقة من أوراق هذه الشجرة لون ونكهة مختلفة عما نعرفه من قوانين ومقومات وآليات اشتغال .
إنه فيلسوف ، ومفكر ، وناقد ، وأديب ، ومحاور جدلي ، وسياسي لا يلبث أن يتجاوز فكره فكرة انتمائه ، فلا يتورع عن النقد والتصحيح .
رجل متشبث بحقوق الإنسان ومدافع صلب عن الحرية ، فلا غرابة أن ينال وسام وجائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي .
الدكتور شعبان يتنقل بين العقل وفقه الواقع ، ويناقش جدل الهويات ، ودور المثقف وسط الأزمات ، ويحطم المرايا الجاهزة في مناقشته للإرهاب والدين والدولة والمجتمع ، ثم لا يلبث أن يفيض لديه الحس الجمالي ، فيبحث عنه في كنوز الشعر العربي ، ليتحول إلى ناقد مهموم بالاحتفال بالقيم الجمالية ، إنه يحمل ازميله الماسي وينقب بكثير من الصبر والكفاءة ..
تتوالى منجزاته الفكرية لتتجاوز الثمانين كتابا في حقول المعرفة ، والجوهر الذي ينبغي التوقف أمامه هو دوره المتصاعد كمثقف عضوي فعال باحث عن الجذر الحي المؤثر في حركة المجتمع ، فهو لا يولي اهتمامه لما هــو عابــر أو غير أصيل ..
فضيلة الدكتور عبد الحسين شعبان أن جهده استطاع أن ينزل الفكرة التي يتحدث عنها من مدلولات سابحة في الفضاء إلى مدلولات لها جذرها في الأرض ، وبذلك حقق نوعا نادرا من الانجاز قوامه الكشف والانتصار للقيم العالية أينما كانت وفي ظل أي ظرف .
التحديات :
هل كانت مسيرة الدكتور شعبان يسيرة سهلة ؟
أبدا ، فهي مسيرة ملغومة بالمتاعب والملاحقات والمآسي ، فمع بدء تشكيل وعيه النقدي أبى مغادرة إخلاصه له ، ودفع أثمانا باهظة ، تحملها بكثير من الصبر والتضحية ..
كان معارضا ، ومعارضته لا تتوقف أمام نظام الحكم أو البحث عن الحكم الرشيد ، إنه معارض أصيل يمارس معاضته بشكل تلقائي حتى ضمن صفوف من ينتمي إليهم ، ما يؤشر حالة مهمة قوامها أن المفكر شعبان أسقط القداسة عن الفكر والتوجهات وتعامل معها بعين ناقدة بحثا عن الأثر الذي لا تكنسه هبة ريح ..
تتوالى انتقاداته ، وتتوالى رؤاه في التصحيح ورسم معايير اختيار ما هو حي ومتحرك ، يقوده في ذلك فهم ورؤية لا تعترف بالتحزب ، لأنها مهمومة بالحياة الحرة الكريمة ..
ولاؤه كان وما زال للإنسان في حالاته جميعا ، إنه يؤمن أن أي جهد أو نشاط أو توجه لا يكون الإنسان محوره وهدفه ، هو جهد مطعون وينبغي فضحه ، والانتصار للإنسان كقيمة عليا ..
لذلك فحين يكرس الدكتور شعبان جزءا كبيرا من وقته وجهده في كل ما ينتصر لحقوق الإنسان والدفاع عنها وتنظيم المؤتمرات والفعاليات على مستوى دولي ، وإلقاء مئات المحاضرات في الجامعات والمعاهد ، فإن كل ذلك يؤكد حرصه الثابت
على ولائه لقيمة الإنسان ، وشرف الدفاع عن هذه القيمة ..
وفي سبيل ذلك ، تعرض شعبان إلى محاولات تدجين ، ومحاولات تخويف ، ومحاولات حرفه عن الخط الذي انتهجه ، ولم تكن نتيجة كل ذلك سوى المزيد من الاصرار على الانتصار للحياة بوجه كل ما يطعن سرها ومجدها وقيمتها ..
تحولات واهتمامات الدكتور شعبان :
الفلسفة.. الفكر.. الدين.. الثقافة.. الأدب.. السياسة.. المجتمع المدني.. التاريخ.. الحريات.. القمع.. القانون.. العقد الاجتماعي.
محاور برز من خلالها الدكتور شعبان ، وفي كل محور كتبُ واطروحات تنتظم جميعها في قلادة عصية في جمع محتويات ، وعصية على تصور مكامن جمالها إلا على من يدرك سر هذه القلادة الفريدة ، والقانون والمعايير التي يمكن استنتاجها ، وسر كل ذلك بسيط جدا ، وعميق جدا : إنه الاخلاص للحياة والإنسان .
إنه ينتصر للإنسان ، وحين يخفق المجتمع الدولي ، وقواه المؤثرة في تحقيق الحد الأدنى من الكرامة والحياة الكريمة للشعب الفلسطيني ، فإن الدكتور شعبان يعد أن الانتصار لفلسطين وشعبها وحقها في حياة كريمة شغله الشاغل ، فلا يتوقف عن إلقاء المحاضرات و اصدار الكتب و تنظيم التجمعات والاجتماعات بحثا عن طريقة أو أسلوب أو لافتة تفضح العري الأخلاقي لإسرائيل ومن يمدها بأسباب العدوان .
إن الوعي بحجم الجرائم المرتكبة محنة حقيقية ، إنه كالجمرة ، يحملها الدكتور شعبان وينقلها من يد إلى يد أملا في تخفيف ألمها ، لكنها تبقى متقدة تمد قلب وفكر حاملها بالمزيد من الاصرار والثبات ..
مفارقات :
في حياتنا الثقافية ، والنشاطات المرتبطة بها ، نفتقد إلى الجمهور المتحمس الذي يذكي شرارة الإبداع ويمنحه الألق الذي يستحقه ..
غابت الجموع التي كانت تنتظر أمام أبواب القاعات بعد امتلاء مقاعدها ، وغابت شعلة الحماس المعبر عنها بالهتافات والتصفيق والهلاهل .. افتقدنا بهجة كل ذلك ..
والغريب أن عبد الحسين شعبان برغم أنه ليس شاعرا وليس فنانا ، لكن محاضراته تستطيع إعادة ما افتقدناه ،
في مدينة صغيرة عقد الدكتور شعبان ندوة تحدث فيها عن التحديات التي تواجه مجتمعنا ، وتطرق إلى موضوع حقوق الأنسان وما يعنيه في حياتنا ، وبرغم جفاف الفكرة ، وصعوبة إشادة علاقة تلقٍ ممتعة مع الجمهور ، فقد بلغ الحماس أشده بعد كل فقرة من فقرات كلامه ، وأظن أن ذلك يرتبط بشكل ما أمام بصمة الصوت والحركة والإلقاء ، ما يؤكد قدرته على توصيل ما يؤمن به إلى جمهور السامعين .
وفي كثير من التجمعات والمؤتمرات كنت أشاهد الدكتور شعبان يلعب دورا كاسحا لألغام الشكوك والمشاكل ، باحثا عن حلول ، مركزا على الهدف النهائي ، نافضا يديه من التفاصيل التي لا يهمها سوى إبطاء الحركة وزرع اليأس في القلوب .
أخطاء شعبان الذهبية :
أمام هذا الثراء الروحي ، والغنى المعرفي ، والمسيرة المتخمة بالانجاز ، هل كان الدكتور عبد الحسين شعبان بعيدا عن الأخطاء ؟
في تجربتي الإبداعية تحدثت كثيرا عما أسميته بالأخطاء الترابية ، والأخطاء الذهبية ، وفي مجال الحديث عنها كنت أميز بينها ، فالأخطاء الترابية أخطاء صغيرة لا تليق بذوي النفوس الكبيرة ، أما الأخطاء الذهبية وبرغم مفارقة الجمع بين الأخطاء وبين وصفها الذهبي ، أقول : إنها حصة ذوي النفوس العظيمة ، حصة المصلحين الكبار والأولياء والفلاسفة العظام ، إنها تلك الأخطاء التي لا تعترف بالهوى الجمعي المنقاد ، وتشق طريقها وحيدة يحدوها إيمان مطلق بصدقها وجمال هدفها .
من أخطاء الدكتور عبد الحسين شعبان ، أنه يحمل قلبا لا يتعظ ، بإمكانه أن يرى فسحة الجمال في أشد القلوب قسوة ، ويرد على ذلك بالقول أن بعضهم يستحق أن نبذل جهدا من أجل تفكيك عقده وهلوساته .
ومن أخطائه أنه لا يفقد الأمل ، فالإنسان لصيق بالأمل في حالاته كلها .
ومن أخطائه أنه يتحمس للعطاء ، ولا ينتظر شيئا من الآخرين ، إنه بطريقة ما يرضي نفسه وهي تمضي في طريقها لا يهمها ثناء أو عتب .
وحين يقال له أن العقد الاجتماعي فقد معناه ، وهو طريقة لفرض سلطة الأقوياء ، وأن التاريخ البشري تاريخ إخفاق ، فما زالت الإنسانية تئن تحت وطأة العدوان والمصالح الضيقة ، يكتفي بابتسامته البريئة التي تقول ، لا شيء يفقدني الأمل .
العقل المركب :
من الاتهامات التي توجه للعقل العربي أنه عقل بسيط ، ومن يدعي ذلك فإنه يحتكر ميزة العقل المركب لبني جنسه من الغرب ، ومهما كانت الشواهد التي تقاد في هذا الشأن ، فإن النموذج الذي يمثله الدكتور عبد الحسين شعبان نموذج فريد من نوعه ، بمواصفاته واتساعه وقدرته على التحليل :
إنه عقل جدلي متعدد الاهتمامات
قدرته على الفهم تسبق قدرته على الحكم
عقل ينتصر للجمال والإبداع
منفتح على الثقافة الإنسانية ، مؤمن الحضارة
محارب عنيد في سبيل حقوق الإنسان
لا يتردد في مناقشة التابوات الدينية والاجتماعية
ما الذي يتبقى ؟
يبقى الكثير ، فشخصية الدكتور شعبان ، وبناؤه الفكري ، ومواهبه ، تضطره في كثير من الأحيان إلى الانتظار كي يمنح الفرصة للآخرين لفهمه واستيعاب مقاصده ، ولأنه لا يعرف الكراهية في حياته ، فإنه يتحمل تضحيات الحب ..
هذا قدره ..
وبعد ، هل أنصفناه ؟
شعبان موسوعة تمشي على قدمين ، ومن الصعب حقا رسم تخومها البعيدة ..






+ There are no comments
Add yours