أنَّ التقنيات الرقمية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة المعاصرة، بحيث لا يمكن للباحثين اليوم أن يتجاهلوا قيمتها الثقافية الواضحة. في الوقت الحاضر، هناك فكرة مفادها أن البحث في الثقافة الرقمية يعني دراسة التحولات الواسعة للثقافة فيما يتعلق بالتوزيع الحديث للتقنيات الرقمية، بدلاً من دراسة ظواهرها وآثارها.
أصبحت وسائل الاتصال الرقمية مثل الإنترنت والاتصالات المتنقلة وأنظمة تخزين ونقل البيانات، وما إلى ذلك – راسخة بقوة في حياة الإنسان المعاصر، وبدأت تؤثر على جميع جوانب حياته بشكل عميق، إلى درجة أن كل شيء أصبح رقميًا.
إن البحث في متغيرات العصر له تاريخ عريق، وقد انتقل من تحليل الواقع الافتراضي والفضاء الإلكتروني إلى النظرية النقدية لوسائل الإعلام الجديدة، والمشروع متعدد التخصصات. لكن التحولات التي تحدث في الثقافة، فيما يتعلق بتوسع التقنيات الرقمية، لا تزال غير مدروسة بشكل كافٍ، فضلاً عن أن ديناميكيات التغيير تتفوق بشكل كبير على تراكم المعرفة والتفكير البحثي.
في أوقات ومناسبات مختلفة، تم اقتراح تعريفات متنوعة للمصطلحات الجديدة، التي كانت بمثابة نوع من المظلة لتحليل التقنيات الرقمية وأهميتها الاجتماعية والثقافية؛ كتعريف التقنيات الرقمية أو وسائل الإعلام الجديدة، أو الفضاء السيبراني، أو الثقافة السيبرانية، أو الثقافة الرقمية.
بدأ تحليل الوسائط الرقمية مع الباحثين العاملين في مجال نظرية الإعلام، ونظرية الاتصال، والدراسات الإعلامية، بالتزامن مع التطور التكنولوجي. وربما يكون مصطلح “رقمي” أقل جدلاً، مشيرًا إلى مميزات حاملات المعلومات الجديدة، وأنظمة إنتاج وتخزين ونقل البيانات، بدلاً من تلك التناظرية.
يشير مصطلح “الإعلام الجديد” المستخدم كمرادف لمصطلح الوسائط الرقمية، إلى الفرق بين الوسائط الرقمية والوسائط التناظرية التقليدية القديمة، ويؤكد على الطبيعة الثورية للتغيرات التي تحدث في المجال الإعلامي. لقد أثيرت مسألة حداثة وسائل الإعلام الجديدة لأول مرة في أعمال مؤرخي وسائل الإعلام والاتصالات. ومع ذلك، فإن تاريخ وسائل الإعلام يُكتب بطرق مختلفة، وما هو جديد من وجهة نظر تكنولوجية يصبح مألوفًا بمرور الوقت. وعلى الرغم من وضوح الفرق بين وسائل الإعلام الرقمية الجديدة ووسائل الإعلام التقليدية القديمة، فإن مسألة حداثتها ليست واضحة تمامًا للباحثين. ووفقًا لملاحظة جي. إتش. كينيدي، فإن ما هو جديد بالفعل في وسائل الإعلام الجديدة لم يتم اكتشافه بعد.
إذا كان ظهور وسائل الإعلام الجديدة يؤدي إلى تغييرات جذرية وعصرية في مجال وسائل الإعلام الجماهيري، أو يتناسب مع سياق التغيرات التاريخية الأوسع، فإنه يظل موضوعًا مفتوحًا أمام المنظرين. اليوم، وبعد العقود الأولى من دراسة وسائل الإعلام الجديدة، توصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أن العديد من الخصائص كانت موجودة من قبل، على سبيل المثال، تلك المنسوبة إلى الإنترنت – الوسائط المتعددة، والنص الفائق، والتفاعلية. وفقًا لـ س. ليفنغستون، فإن حداثة الإنترنت كنوع من وسائل الإعلام تكمن في مزيج من التفاعل مع خصائص جديدة، مثل نطاق غير محدود من المحتوى، والطبيعة العالمية للاتصالات. يفضل معظم الباحثين التحدث عن مصطلح “الثوري” الجديد جذريًا في وسائل الإعلام الجديدة في سياق سلسلة كاملة من الثورات في مجال وسائل الإعلام. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة في الاستنتاجات والتقييمات، فإن الاعتراف بجودة الجمهور هو سمة مميزة لمعظم المؤلفين.
لا يقتصر نشاط جمهور الإعلام الجديد على الممارسات الاستقبالية والتفسيرية، بل يصبح مشاركًا مباشرًا في العملية الإعلامية من خلال الإنتاج (بفضل توافر التقنيات الرقمية) وتوزيع المحتوى الإعلامي، حتى يصل إلى إنشاء وسائل الإعلام الشعبية الخاصة به. اليوم، يعلن الباحثون في مجال الإعلام عن الحاجة إلى مراجعة العديد من أحكام نظرية الإعلام وتطوير دراسات الإعلام الجديد (New Media Studies)، بما في ذلك الوسائط الرقمية واتصالات الشبكة كموضوع للبحث.
إن الاختلافات الرئيسية بين الدراسات الإعلامية القديمة والتقليدية والجديدة تتلخص في العناصر المؤثرة فيها وهي كالتالي: الجمهور النشط، المستخدمون المتفاعلون، المشاهدة، الانغماس، الوسائط المركزية، الشعبية، الوسائط المفتوحة، التفسير النصي، التدخل المادي في النص، المستهلكون والمستهلكون المنتجون.
ألبروفسور الدكتور سعد جهاد عجاج
استاذ الدراسات اللغوية في جامعة بغداد




+ There are no comments
Add yours