نمتار / البروفيسور المهندس رمزي روفائيل إبراهيم برواري
تمثل مياه الصرف الصحي واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المدن المتنامية، ليس فقط من الناحية الخدمية، وإنما لما لها من تأثير مباشر في البيئة والصحة العامة والموارد المائية. ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي في أربيل بوصفه واحداً من أهم المشاريع البيئية والبنى التحتية التي تشهدها عاصمة إقليم كوردستان في السنوات الأخيرة.
وبحسب المعلومات الرسمية المعلنة في آب 2026، يجري تنفيذ المشروع في الجهة الغربية من مدينة أربيل على مساحة تبلغ نحو 225 فداناً، ومن المقرر أن تصل طاقته النهائية إلى معالجة 840 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً، ضمن أربع مراحل تنفيذية.
أهمية المشروع لا تكمن في إنشاء محطة لمعالجة المياه العادمة فحسب، بل في كونه جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تنظيم منظومة الصرف الصحي في أربيل، وربطها بمفهوم الإدارة المستدامة للمياه.
ويتضمن المشروع إنشاء شبكة أنابيب رئيسية بطول يقارب 22 كيلومتراً، تجمع مياه الصرف من ستة منافذ مختلفة داخل المدينة وتنقلها إلى محطة المعالجة. كما يتضمن مراحل متعددة للمعالجة الميكانيكية والبيولوجية والكيميائية، بهدف الوصول إلى مياه معالجة وفق المعايير البيئية والصحية المعتمدة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن المرحلة الثانية الجاري التحضير لها ستقام على مساحة 56 فداناً وبطاقة معالجة تبلغ 210 آلاف متر مكعب يومياً، فيما بلغت نسبة الإنجاز في المشروع نحو 14% حتى أواخر آب 2026
الجانب الأكثر أهمية في المشروع هو الانتقال من مفهوم “التخلص من مياه الصرف” إلى مفهوم “إعادة استخدام المياه”
فبدلاً من تصريف المياه العادمة في البيئة أو تركها مصدراً للتلوث، ستتم معالجتها وإعادة استخدامها في ري الحزام الأخضر والحدائق والمساحات الزراعية والخضراء في أربيل. وهذا يعني أن المياه التي كانت تمثل عبئاً بيئياً يمكن أن تتحول إلى مورد يخدم المدينة.
وهذه النقطة بالذات تحمل أهمية استراتيجية في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الموارد المائية في العراق وإقليم كوردستان. فكل متر مكعب من المياه المعالجة يمكن استخدامه لري الأشجار والمساحات الخضراء يعني تقليل الضغط على المياه العذبة والمياه الجوفية المخصصة للاستخدامات الأخرى.
من أخطر آثار الصرف الصحي غير المعالج وصول الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية. ولذلك فإن إنشاء منظومة متكاملة لجمع مياه الصرف ومعالجتها يمكن أن يشكل خطوة مهمة لحماية المخزون المائي الجوفي في أربيل.
كما أن المشروع يهدف إلى الحد من تصريف مياه الصرف الصحي في القنوات والمجاري الطبيعية، الأمر الذي يساهم في حماية البيئة وتقليل مخاطر التلوث المرتبطة بالمياه العادمة. وقد أشارت حكومة الإقليم إلى أن المشروع يستهدف كذلك تقليل مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة ودعم الزراعة النظيفة.
ومن الجوانب التقنية اللافتة في المشروع أنه لا يتوقف عند معالجة المياه، بل يستهدف الاستفادة من نواتج المعالجة أيضاً.
فوفق المعلومات الحكومية، سيتم الاستفادة من بعض المواد الناتجة عن عمليات المعالجة في دعم المساحات الخضراء، كما سيتم استخلاص الغاز الناتج من عملية المعالجة وتحويله إلى طاقة من خلال محطة توليد خاصة، لتغطية جزء من احتياجات المشروع من الكهرباء.
وهنا تظهر فلسفة الاقتصاد الدائري: المياه العادمة لا تُعامل باعتبارها “نفايات” فقط، وإنما كمصدر يمكن استرداد المياه والطاقة وبعض المواد المفيدة منه.
يمكن للمشروع، إذا أُدير بكفاءة واستمرارية، أن يكون عاملاً مهماً في دعم مشاريع التشجير والحزام الأخضر في أربيل.
فالمياه المعالجة يمكن أن توفر مصدراً مستداماً لري الأشجار والحدائق والمساحات الخضراء، بدلاً من الاعتماد بصورة كبيرة على المياه العذبة أو الجوفية لهذه الأغراض.
وهذا يفتح المجال أمام ربط مشروع معالجة مياه الصرف بمشاريع التوسع الحضري الأخضر، وتحسين نوعية الهواء، وتقليل الغبار، وتلطيف المناخ المحلي، ورفع مستوى جودة الحياة في المدينة.
مع أهمية المشروع وحجمه، فإن نجاحه لن يقاس فقط بعدد الأمتار المكعبة التي ستتم معالجتها يومياً، وإنما بكفاءة التشغيل والصيانة والرقابة البيئية على مدى عقود.
فمحطات معالجة مياه الصرف تحتاج إلى إدارة فنية مستمرة، ومختبرات متخصصة لمراقبة نوعية المياه الداخلة والخارجة، وصيانة دورية للمعدات، ومراقبة الروائح والحمأة والغازات، إضافة إلى الالتزام الصارم بالمعايير الصحية والبيئية.
كما أن إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والمساحات الخضراء تتطلب نظاماً واضحاً للرقابة على نوعية المياه، وتحديد الاستخدامات المناسبة لها، ومنع أي استخدام قد يشكل خطراً على الصحة العامة.
ومن وجهة نظر أكاديمية، يمكن أن يتحول هذا المشروع إلى مختبر حي للجامعات ومراكز البحوث في إقليم كوردستان.
فهناك مجالات واسعة للبحث والتطوير، منها كفاءة عمليات المعالجة، وإنتاج الطاقة من الغاز الحيوي، وإدارة الحمأة، وإعادة استخدام المياه، وتحسين كفاءة الطاقة، والتحكم الذكي بالمحطة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مراقبة جودة المياه والتنبؤ بالأحمال، إضافة إلى دراسة الأثر البيئي للمشروع على المدى الطويل.
ومن المهم أن تكون للجامعات وكليات الهندسة والعلوم والبيئة شراكة حقيقية مع المشروع، بحيث لا تكون المحطة مجرد منشأة خدمية، بل مركزاً للتطبيق العملي والبحث العلمي وتطوير الكفاءات المحلية
الرقم 840 ألف متر مكعب يومياً كبير جداً من الناحية الهندسية؛ فهو يعادل نحو 306.6 مليون متر مكعب سنوياً إذا عملت المحطة بهذه الطاقة على مدار السنة
وهذا يعكس حجم المشروع وطموحه في التعامل مع احتياجات مدينة أربيل الحالية والمستقبلية، خصوصاً أن التصميم يستهدف خدمة المدينة لسنوات طويلة مع استمرار النمو السكاني والعمراني. وكانت حكومة الإقليم قد أشارت إلى أن المشروع صُمم لمواكبة احتياجات أربيل المستقبلية لنحو ثلاثة عقود.
إن إنشاء محطة بهذه الطاقة يمثل أكثر من مشروع خدمي؛ إنه استثمار في صحة الإنسان والبيئة والمياه ومستقبل المدينة.
أربيل، التي تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً، تحتاج إلى أن تتطور بنيتها التحتية البيئية بالتوازي مع نمو الأحياء السكنية والطرق والمجمعات التجارية والصناعية.
ولذلك فإن معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها يجب أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة تشمل حماية المياه الجوفية، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين إدارة النفايات، وترشيد استهلاك المياه، وحماية الأنهار والمجاري الطبيعية.
الخلاصة
مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بطاقة 840 ألف متر مكعب يومياً يمكن أن يمثل نقطة تحول في الإدارة البيئية والمائية لمدينة أربيل..
فالهدف الحقيقي ليس فقط تنظيف المياه، بل *تحويل مشكلة بيئية إلى مورد مستدام*: مياه تُعاد إلى دورة الاستخدام، وطاقة يمكن استردادها من الغاز الحيوي، ومواد يمكن الاستفادة منها في دعم المساحات الخضراء، وبيئة أكثر أمناً، وضغط أقل على المياه العذبة والجوفية.
إن أربيل لا تحتاج فقط إلى مدينة حديثة في مبانيها وطرقها، بل إلى مدينة حديثة في إدارتها للمياه والطاقة والبيئة.
ومن هنا يمكن أن تكون محطة معالجة مياه الصرف الصحي خطوة أساسية نحو أربيل أكثر خضرة، وأكثر صحة، وأكثر استدامة للأجيال القادمة.

+ There are no comments
Add yours