نمتار / أكرم توفيق


هذه القصيدة ليست نصا غزليا بالمعنى المباشر رغم أن المرأة والحب والنساء تشكل مفرداتها السطحية الأولى بل هي في تقديري قصيدة سيرة رمزية وفكرية ووجدانية يحاول فيها حسن عبد الحميد أن يرسم صورة عبدالحسين شعبان من خلال ما تراكم في روحه وعقله من (مواريث) النساء والحب والحزن والكتب والوطن وجلجامش وماركس والجواهري. ولذلك فإن عنوان (ما أورثته النساء) يبدو مفتاحا أوليا لكنه لا يفتح الباب كله فالقصيدة سرعان ما تتجاوز النساء إلى سؤال ماذا فعلت الحياة بهذا الرجل وماذا أورثته التجربة الإنسانية من حب ووجع وفكر واغتراب؟
قراءة شاملة لقصيدة
(ما أورثته النساء)
شعر: حسن عبد الحميد
إلى: د. عبدالحسين شعبان
أولاً: العنوان بوصفه عتبة النص
(ما أورثته النساء) عنوان شديد الذكاء لأنه يوهم القارئ في البداية بأننا أمام قصيدة تتصل بالحب والمرأة وتجارب العشق لكن الشاعر سرعان ما يحوّل هذا الإرث من معنى جسدي أو عاطفي إلى إرث وجودي وثقافي.
فالنساء في النص لسن مجرد شخصيات عابرة وإنما هنّ جزء من ذاكرة الرجل من شهوته وحزنه وحنينه وخساراته بل من تكوينه النفسي. ولهذا يقول:
(هامَ بها..
فهامَتْ بهِ… هَمّا)
وهنا تبدأ لعبة لغوية جميلة بين هامَ وهامت وهَمّاً فالحب يبدأ هياماً لكنه لا يبقى في منطقة الفرح بل يتحول إلى همّ.
والأكثر دلالة:
(ترجّاها دنيا..
فصارَتْ لَهُ… أُمّا)
فالمرأة هنا ترتقي من موضوع للرغبة إلى مصدر للأمان والأمومة والعالم. إنها الدنيا والأم والحبيبة في آن واحد.
ومن هنا يمكن فهم العنوان على نحو أوسع :
ما أورثته النساء ليس النساء أنفسهن وإنما ما تركنه في الروح من حب وذاكرة وندم وحنين وأسئلة.
ثانياً: القصيدة تبدأ من المرأة لكنها لا تنتهي عندها
اللافت أن الشاعر لا يقدّم حياة شعبان بطريقة السيرة التقليدية فلا يقول ولد.. درس.. كتب.. سافر.. عاش.. ناضل وإنما يصنع سيرة شعرية داخلية.
إنه لا يرسم الرجل من الخارج بل يحاول الدخول إلى طبقاته النفسية.
(وحين أنقضى
دهرٌ مِنَ الصَّمتِ
تماسكَ يلمسُ..
خيوطَ الأفقِ فيهِ)
هنا ينتقل النص من المرأة إلى الرجل الذي خلّفته التجربة. وكأن الحب لم يكن نهاية الرحلة بل كان أحد الأبواب التي قادت إلى الصمت ثم التأمل ثم الكتابة ثم الفكر.
ولهذا تأتي العبارة:
(وحدَهُ… تعلَّلَ
في تأثيثِ حزنِهِ)
وهي من أجمل العبارات في القصيدة. فالحزن هنا ليس حالة طارئة إنه مكان داخلي يقوم الشاعر بتأثيثه. وهذه استعارة عميقة لأن (التأثيث) عادة يكون للبيت بينما الحزن صار بيتا داخليا يسكنه الإنسان.
ثالثاً: الكتابة بوصفها تعويضاً عن الفقد
كلما تقدم النص يصبح واضحا أن الكتابة عند الشخصية المركزية ليست ترفاً ثقافياً وإنما طريقة للعيش ومقاومة الفناء.
لاحظ هذه السلسلة:
(نهرُ التماعِ الدَّمعِ سخيّاً… ساهياً
مأسوراً…
بأريجِ جنائنِ حبٍ
لا يهدأُ…
لا يفنى..
كما وجعِ الرُّوحِ)
الحب هنا لا يموت مثلما لا يموت وجع الروح.
ثم تأتي:
(ولا يُخلَقُ مِنْ عدمْ
لا… يصدأُ مِنْ ندمْ)
وهنا يتحول الحب إلى مادة وجودية شيء لا يولد من العدم ولا يصدأ بالندم،
وهذا يتصل بطبيعة الشخصية التي يهدي إليها الشاعر النص شخصية ثقافية وفكرية عاشت زمناً طويلاً في الكتابة والبحث والسجال الفكري بحيث يصبح الكتاب امتداداً للذات.
رابعاً: الزمن في القصيدة ليس زمناً خطياً
من العناصر المهمة في البناء أن الشاعر لا يتحرك من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل بصورة مستقيمة.
إنه يخلط الأزمنة:
الماضي .. الحاضر .. المستقبل .. الذاكرة .. النبوءة .. المرثية
يقول:
(ما مرّ..َ
مِنْ غنجِ النِّساءِ
وما تمرجحَ مِنْ شجونِ بقايا العمرِ
ما تناسلَ من أحلامٍ
ما سالَ…
مِنْ زمنٍ لزجٍ سيأتي
لا محالْ…)
هذه صورة زمنية شديدة القتامة
فالمستقبل نفسه ليس مساحة خلاص بل يأتي:
(على هيئةِ حيفٍ
أو…
أشلاءِ سؤالْ)
وهذه من أكثر الصور دلالة على فلسفة القصيدة.المستقبل لا يأتي كإجابة وإنما يأتي كسؤال.بل إن السؤال نفسه يأتي ممزقاً إلى (أشلاء)
خامساً: (كذب منجّموه) هدم فكرة التنبؤ
يقول:
(كذبَ منجِّموهُ
وما صدقوا)
وهذه العبارة تبدو كأنها اعتراض على كل من حاول قراءة مصير الرجل أو التنبؤ بمستقبله.لكنها في السياق الأعمق يمكن أن تُقرأ باعتبارها رفضاً لفكرة أن الإنسان قدرٌ مكتوب يمكن اختزاله في نبوءة. فالإنسان الذي يرسمه حسن عبد الحميد أعقد من أن يقرأه منجّم.
إنه رجل تتداخل فيه:
*العاطفة
*الفكر
*الشعر
*الوطن
*الذاكرة
*الاغتراب
*التاريخ
*الأسئلة الوجودية
ولهذا لا يستطيع (المنجّمون) الوصول إلى حقيقة قلبه.
سادساً: الإرث يتحول من إرث النساء إلى إرث الثقافة
وهنا تصل القصيدة إلى أحد أهم منعطفاتها:
(على إرثٍ توارثَهُ
تاقَ نزفاً … يوزِّعُهُ
عزفاً
على أوتارِ ريحٍ
ما فتئتْ… تئنْ
ما برحتْ تحنْ…)
كلمة (إرث) هنا هي المفصل الحقيقي للنص.
العنوان يقول: ما أورثته النساء
لكن القصيدة تقول لاحقاً.
(على إرثٍ توارثَهُ..)
أي أن المسألة اتسعت من إرث عاطفي إلى إرث ثقافي وحضاري وفكري
وهنا يبدأ الشاعر في الكشف عن المكونات الكبرى للشخصية المهداة إليها القصيدة.
سابعاً: شعبان بوصفه (مكتبة إنسانية)
أجمل ما في المقطع الأخير أنه لا يصف عبدالحسين شعبان مباشرة بل يقدمه عبر الأشياء التي تسكنه:
(أمواجِ كتبِ
كُنَّ شواهدَ أحزانٍ
حقائبَ مِنْ قصائدِ شكوى)
الكتاب هنا ليس كتاباً فقط
إنه شاهد على الحزن.
والقصيدة ليست قصيدة فقط إنها حقيبة من الشكوى.
وهذا يخلق صورة لعبدالحسين شعبان بوصفه شخصاً تتراكم في داخله الكتب كما تتراكم التجارب فلا يعود المثقف مجرد قارئ وإنما يصبح خلاصة ما قرأ وما عاش وما فقد وما آمن به.
ثامناً: جلجامش… البحث عن الخلود
الإحالة إلى جلجامش ليست زينة ثقافية في النص.
(مِنْ براءةِ دمِ طينٍ
“جلجامش “
مِنْ أوهامِ الخلودِ)
هنا يستدعي الشاعر واحدة من أقدم المعضلات الإنسانية.
كيف يواجه الإنسان الموت؟
جلجامش بحث عن الخلود لكنه اكتشف في النهاية حدود الإنسان.
وفي سياق القصيدة يصبح استدعاء جلجامش مناسباً جداً لأن المثقف الذي يكتب ويؤلف ويناضل فكرياً يحاول بطريقة أخرى أن يقاوم الفناء. فإذا كان جلجامش بحث عن خلود الجسد فإن الكاتب يبحث عن خلود الأثر.
وهكذا ينتقل النص من:
المرأة .. الحب .. الحزن .. الكتاب .. التاريخ .. الموت .. الخلود.
وهذه واحدة من أهم الحركات الدلالية في القصيدة.
تاسعاً: ماركس… الإرث الفكري
ثم يأتي :
(مِنْ سرٍّ ما أهداهْ
(ماركس
وهنا تصبح الإشارة أكثر مباشرة خصوصاً مع الهامش الذي أضافه الشاعر والذي يوضح أن عبدالحسين شعبان ذكر القرآن الكريم والشعر العربي وكارل ماركس بوصفها من مثابات ثقافته وجذورها.وهذا الهامش مهم جداً لأنه يمنع القارئ من التعامل مع (ماركس) كإشارة اعتباطية. فالقصيدة تريد أن تقول إن شخصية شعبان تكونت من تعدد الروافد ليس منبعاً واحداً وهذه نقطة جوهرية في فهم الصورة الشعرية. فالشاعر لا يقدم عبدالحسين شعبان باعتباره (ماركسياً) فقط ولا باعتباره (شاعراً) فقط ولا باعتباره (مفكراً) فقط بل باعتباره تركيباً ثقافياً متعدد الجذور.
عاشراً: الجواهري… حين يتحول الوطن إلى شعر
ثم تأتي الإشارة الأهم في المقطع الختامي:
نارُ (الجواهري))
شعراً… يُرديه برقا
يرثيهِ… شرقا
ويهديهِ… شوقا )
وهنا يدخل محمد مهدي الجواهري بوصفه واحداً من أعمدة الذاكرة الشعرية العراقية.
وإذا كان جلجامش يمثل الجذر الحضاري القديم، وماركس يمثل الجذر الفكري الحديث، فإن الجواهري يمثل الضمير الشعري العراقي، وبذلك تصبح الإحالات الثلاث.
جلجامش — ماركس — الجواهري
ثلاثة مستويات في تكوين الشخصية
*جلجامش: الحضارة والأسطورة وسؤال الموت والخلود
*ماركس: الفكر والنقد الاجتماعي والتاريخ
*الجواهري: العراق والشعر والذاكرة الوطنية
وهنا أرى أن القصيدة تبلغ واحدة من أكثر مناطقها عمقاً
الحادي عشر: العراق حاضر رغم غيابه المباشر
من أجمل المفارقات أن العراق لا يحتل مساحة كبيرة من النص بوصفه اسماً لكنه حاضر كـ وجع مستتر.
يقول:
(لا تقوى على…
أنْ تُباغتَ ثلثَ مراثيهِ
البلادَ…)
ثم:
(بما يبقى… مِنْ ثلثِهِ
الذي أدمنَ حزنَهُ
ورمَتْ بهِ خلف الحدودِ…)
هذه صورة الإنسان العراقي الذي حمل وطنه معه حتى عندما خرج منه ، والـ(خلف الحدود) ليست مجرد جغرافيا ، إنها منفى نفسي وثقافي، فالحدود تفصل الجسد عن المكان لكنها لا تستطيع فصل الذاكرة عنه. ولهذا فإن شعبان في القصيدة يبدو كأنه يحمل العراق في داخله حتى وهو خارج حدوده.
الثاني عشر: (ثلث مراثيه) و(ثلثه) من أكثر مواضع القصيدة غموضاً
هذا الموضع يستحق التوقف.
(أن تباغت ثلثَ مراثيهِ البلادَ
بما يبقى من ثلثهِ)
العبارة شديدة الكثافة لكنها أيضاً من أكثر العبارات التباساً في النص، والغموض هنا ليس بالضرورة عيباً فقد يكون مقصوداً ليترك مساحة للتأويل. يمكن فهم (الثلث) باعتباره جزءاً من عمر أو تجربة أو ذاكرة أو ميراث لا باعتباره رقماً حسابياً بالضرورة.
لكن هذا الموضع تحديداً يحتاج إذا كانت القصيدة ستدخل في كتاب أو دراسة، إلى تفسير من الشاعر نفسه لأن القارئ قد يتوقف عنده طويلاً بحثاً عن مرجعه الدلالي.
الثالث عشر: اللغة .. قصيدة تقوم على التراكم
حسن عبد الحميد يستخدم لغة كثيفة ذات نفس شعري طويل ويعتمد كثيراً على:
*الحذف
*النقاط المتتابعة
*الشرطات
*التقطيع
*تكرار الكلمات
*الجمل الناقصة
*التدوير الدلالي
مثل:
(لا يهدأُ…
لا يفنى)
و:
(ما فتئتْ… تئنْ
ما برحتْ تحنْ..)
و:
(ما كان… يخشاهْ)
وهذه التقنية تجعل النص يبدو كأنه حديث داخلي متقطع الأنفاس ، والنقاط ليست مجرد علامات ترقيم إنها تؤدي وظيفة موسيقية ونفسية كأن الشاعر يتوقف بين الفكرة والفكرة لالتقاط أنفاسه.
الرابع عشر: الموسيقى الداخلية
رغم أن القصيدة لا تنتمي إلى وزن خليلي منتظم فإنها ليست خالية من الموسيقى
بل موسيقاها تأتي من؛
التكرار الصوتي + التقفية الداخلية + التجانس + التوازي + التكرار الدلالي
لاحظ مثلاً:
(ما فتئتْ… تئنْ
ما برحتْ تحنْ)
ثم:
(نزفاً
عزفاً)
وكذلك:
(شك
وشكّ
سرابَ يقينْ)
هذه ليست مجرد قواف إنها موسيقى المعنى، فالـ(نزف) يتحول إلى (عزف) والألم يصبح موسيقى وهذه واحدة من أجمل التحولات الفنية في النص.
الخامس عشر: المفارقة الكبرى (سراب اليقين)
تنتهي القصيدة بـ:
(ما بينَ… شكّ
وشكّ …
سرابَ يقينْ)
وأرى أن هذه النهاية تلخص القصيدة كلها، فالقصيدة بدأت من الحب وكأنها تعرف موضوعها ثم دخلت في الحزن ثم الذاكرة ثم الكتاب ثم الوطن ثم جلجامش ثم ماركس ثم الجواهري لتنتهي عند الشك.
ولم يقل الشاعر (يقيناً)
بل قال:
(سراب يقين)
أي أن الإنسان يظل يبحث عن الحقيقة لكنه كلما اقترب منها وجد أنها ربما ليست إلا سراباً.وهذا ينسجم بصورة لافتة مع شخصية المثقف والمفكر المثقف الحقيقي لا يعيش على الإجابات النهائية وإنما يعيش في منطقة السؤال.
السادس عشر: من (النساء) إلى (الإنسان)
إذا أردنا اختزال المسار الداخلي للقصيدة يمكن رسمه هكذا.
النساء
الحب
الهمّ
الحزن
الذاكرة
الكتب
الوطن
المنفى
جلجامش والموت والخلود
ماركس والفكر
الجواهري والعراق
الشك
سراب اليقين
وهنا يتضح أن القصيدة في جوهرها ليست عن النساء بقدر ما هي عن الإنسان الذي تترك الحياة آثارها فيه.
السابع عشر: صورة عبدالحسين شعبان في القصيدة
الشاعر لا يرسم شعبان باعتباره شخصية سياسية أو أكاديمية أو مفكراً فحسب إنه يصوره باعتباره:
رجل الحب ورجل الحزن ورجل الكتاب ورجل الذاكرة ورجل الوطن ورجل السؤال ، وهذه نقطة مهمة جداً فالشاعر يتعمد ألا يقدم (بورتريهاً) واقعياً وإنما يقدم بورتريهاً وجدانياً إنه لا يقول لنا من هو عبدالحسين شعبان بل يقول لنا كيف يبدو عبدالحسين شعبان في مرآة شاعر يحبه ويقرأ تجربته؟وهذا فرق كبير بين السيرة والشهادة الشعرية.
الثامن عشر: القصيدة أقرب إلى (بورتريه شعري)
أجد أن أفضل توصيف نقدي لها هو:
بورتريه شعري ثقافي وفلسفي لشخصية عبدالحسين شعبان، فالقصيدة لا تكتفي بالمديح ولذلك لا تقع في فخ القصيدة الاحتفائية التقليدية، إنها تمدحه بطريقة أكثر عمقاً:
تبحث عن مصادر تكوينه، وهذا ما يجعل ذكر جلجامش وماركس والجواهري ذا وظيفة بنائية وليس مجرد استعراض ثقافي.
التاسع عشر: أجمل ما في القصيدة
أبرز نقاط قوتها في رأيي خمس:
: 1. العنوان
يفتح باباً مختلفاً ثم يتسع مع النص
- كثافة الإحالات الثقافية:
جلجامش.. ماركس.. الجواهري.. والكتب.. وكلها تدخل في بناء الشخصية
- تحويل الحزن إلى مكان:
(تأثيث حزنه) صورة شعرية بالغة القوة
: 1. تحويل النزف إلى عزف
(نزفاً يوزعه عزفاً) من أجمل الانزياحات في القصيدة
: 1. النهاية
(سراب يقين) تختصر فلسفة النص في كلمتين متناقضتين ظاهرياً ومتآلفتين دلالياً
العشرون: ملاحظات نقدية صريحة
وبعيداً عن المجاملة ، القصيدة تمتلك طاقة شعرية واضحة لكنها شديدة الكثافة وهذه الكثافة نفسها قد تكون نقطة قوتها ونقطة ضعفها في الوقت ذاته.
أحياناً تتراكم الصور والإحالات إلى الحد الذي يجعل القارئ ينتقل بسرعة من صورة إلى أخرى قبل أن يستوعب الأولى.
كما أن بعض التراكيب تبدو بحاجة إلى مزيد من الضبط أو التوضيح خصوصاً:
(ثلث مراثيه البلاد)
و:
(بما يبقى من ثلثه)
فهذه المنطقة تحتاج إلى مفتاح من الشاعر كي تستقر دلالياً.
كذلك فإن كثرة علامات الحذف (…) تمنح النص نفساً تأملياً متقطعاً لكنها في بعض المواضع قد تصبح أكثر من اللازم فتجعل الإيقاع البصري للنص مزدحماً، وهذه ليست ملاحظات تقلل من قيمة القصيدة بالعكس هي ملاحظات تحريرية يمكن أن تجعل النص أكثر إحكاماً إذا أريد له أن يُعاد نشره في كتاب.
الخلاصة النقدية
(ما أورثته النساء) ليست قصيدة عن النساء بقدر ما هي قصيدة عن آثارهن في رجل حمل معه آثار زمن كامل.
حسن عبد الحميد يبدأ من المرأة لكنه ينتهي إلى الإنسان يبدأ من الحب لكنه يصل إلى الحزن يبدأ من الذاكرة الشخصية لكنه يصل إلى ذاكرة العراق يبدأ من الجسد لكنه ينتهي إلى الفكر والكتاب والتاريخ والموت والخلود.
أما عبدالحسين شعبان فيخرج من القصيدة لا بوصفه اسماً أو مفكراً فحسب وإنما بوصفه حصيلة مواريث متشابكة إرث الحب وإرث الألم وإرث الوطن وإرث الكتب وإرث جلجامش وإرث ماركس وإرث الجواهري.
ولهذا فإن البيت الأخير:
(ما بينَ… شكّ
وشكّ…
سرابَ يقينْ)
ليس مجرد خاتمة جميلة بل هو المفتاح الفلسفي للنص كله، فالإنسان في رؤية القصيدة لا يعيش بين يقينين وإنما بين شكّين وما يسميه يقيناً قد لا يكون إلا سراباً مؤقتاً. وربما لهذا تحديداً تبدو القصيدة مناسبة لشخصية مفكر قضى عمره في مطاردة الأسئلة أكثر من مطاردة الإجابات. إنها في جوهرها قصيدة حب لكنها تتجاوز الحب وقصيدة رثاء لكنها لا ترثي ميتاً وقصيدة بورتريه لكنها لا ترسم الوجه بل ترسم ما تراكم خلف الوجه من ذاكرة وفكر ووجع…
وهذا هو سر قوتها

+ There are no comments
Add yours