نمتار / فائق العبودي
قبل أيام، أخبرني صديقي نادر أنه التقى رجلاً سويسرياً يريد بيع شقته في واحدة من أجمل مناطق سويسرا، وتبلغ قيمتها نحو مليون دولار. لكنه لم يكن يبحث عن قصر أكبر أو ثروة أكثر، بل أراد أن يتبرع بثمنها لجمعية تساعد الفقراء.
توقفت عند هذه القصة طويلاً
مليون دولار عند رجل يرى المال وسيلةً لإنقاذ إنسان، بينما هناك من يتعامل مع ملايين ومليارات الوطن وكأنها غنيمة، فيبني القصور ويشتري العقارات ويكدّس الثروات، فيما يعيش الناس الفقر والحاجة.
ثم قرأت عن الغربان، فاستوقفتني طريقة تعاملها مع من يعتدي على جماعتها. حين يحدث اعتداء، تتجمع حول المعتدي وتطارده وتهاجمه جماعياً، وتقيم له محكمةً علنية، فلا تسمح لمن يعتدي على حق الجماعة أن يمرّ بلا رد.
تأملت المشهد وقلت في نفسي :
حتى الغربان تعرف أن من يعتدي على حق الآخرين يجب ألا يُترك بلا حساب
أما نحن، ” شعيط و معيط” ينهبون وطننا أمام أعيننا.
مليارات ضاعت، وثروات أُهدرت، وخدمات تراجعت، وأجيال دفعت الثمن، ثم يظهر الفاسد بسبحة وخطاب ديني، ويذهب إلى الحج والعمرة، ويمشي إلى كربلاء، وكأن كثرة العبادة يمكن أن تمحو حقوق الناس.
وهنا يأتي السؤال:
لماذا لا نتعلم من الحسين؟
الحسين عليه السلام لم يخرج من أجل منصب أو مال، ولم يساوم على الحق، بل وقف في وجه الظلم، ودافع عن الكرامة، وضحّى بحياته من أجل مبدئه، فما قيمة أن نمشي مئات الكيلومترات إلى كربلاء، ثم لا نخطو خطوةً واحدة في طريق الحق؟
ما قيمة أن نبكي على الحسين، ثم نصمت عن الظلم؟
وما قيمة أن نقول: «يا ليتنا كنا معكم»، ثم نقف مع الظالم عندما يأتي الاختبار في زماننا؟
الحسين ليس طريقاً إلى مدينة، بل طريقٌ إلى موقف..
وكربلاء ليست فقط ما حدث في الماضي؛ كربلاء في داخل كل واحد منا. في كل يوم يدفعنا الشيطان إلى طريق غير مستقيم، ويضع أمامنا الاختيار بين الحرام والحق، وبين الظلم والعدل، وبين الخيانة والأمانة.
هناك علينا أن نختار
وهنا أتذكر كلام أختي الصغيرة لأخٍ لنا التف علينا، واستولى على بيت العائلة، وظلم تسعة إخوة وأخوات، رغم أنه من المشّائين إلى كربلاء.
قالت له:
“أنت تمشي إلى الإمام الحسين، ولم تتعلم منه شيئاً
الحسين وقف بوجه الظالم، وأنت ظلمتنا
الحسين دافع عن الحق، وأنت أكلت حقوق إخوانك وأخواتك
الحسين وقف مع المظلوم، وأنت صنعت القطيعة في عائلتنا من أجل طمعك
فماذا تعلمت من الحسين؟ وأي شيء من كربلاء حملت معك؟”
كانت كلماتها قاسية، لكنها تختصر معنى كربلاء..فليس المهم كم مرة مشينا إلى كربلاء، بل ماذا تعلمنا من الحسين عندما نعود؟
ليس كل من قال «يا حسين» كان مع الحسين؛ فالموقف هو الذي يكشف الإنسان.
أن تكون حسينياً يعني أن تكون مع الحق، وأن تحفظ الأمانة، وأن ترفض الظلم، وألا تأكل مالاً ليس لك، وألا تسكت حين تُسلب حقوق الآخرين.
إما طريق الحق، وإما طريق الباطل..
إما أن نقف مع المظلوم، وإما أن نكون بصمتنا أو تبريرنا في صف الظالم.
وفي النهاية، قد يظن الظالم أن ما أخذه أصبح ملكاً له، وأن حقوق الناس يمكن أن تُنسى مع مرور الزمن.
لكن الحياة دَين، والظلم دَين، وحقوق الناس لا تسقط بالتقادم
قد يملك الظالم المال والقصور، لكنه لا يستطيع أن يشتري راحة الضمير. وقد يهدم عائلته طمعاً في الدنيا، ثم يكتشف متأخراً أنه خسر ما هو أثمن من المال.
الظلم يترك أثراً، والمال الحرام لا يصنع راحةً حقيقية، وحقوق الناس تبقى أمانة.
فالحسين اختار الحق حين كان الثمن غالياً، ونحن نُختبر كل يوم في اختيارات أصغر..
والسؤال الذي يبقى لكل واحد منا :
لو كان الحسين بيننا اليوم، أين سيجدنا؟
مع الحق، أم مع الظلم؟
دمتم بخير وعلى خير
سويسرا/ لوزان

+ There are no comments
Add yours