نمتار من باريس …العراقيون والسوريون وأعادة تشكيل الهوية

نمتار / ابراهيم السعدي*

العراقيون والسوريون وأعادة تشكيل الهوية..

رؤية سوسيولوجية للجالية العربية في باريس

لا يعيش المهاجرون العراقيون والسوريون في فرنسا تجربة الاندماج بالطريقة نفسها. فبعد سنوات من الهجرة والاستقرار، يمكن ملاحظة أنماط اجتماعية مختلفة في علاقتهم بالمجتمع الفرنسي، تبدأ من البقاء شبه الكامل داخل الجماعة العربية، وتمر بحالة من التوازن بين المجتمعين، وصولًا إلى الانغماس الواسع في الوسط الفرنسي.

في باريس وضواحيها، كما في مدن فرنسية أخرى، يمكن ملاحظة تجمع عائلات وشبكات اجتماعية عراقية وسورية وعربية. ولا يتعلق الأمر بالسكن فقط، بل بشبكة كاملة من العلاقات مثل الأقارب والأصدقاء، المطاعم والمقاهي، المحلات، المناسبات الاجتماعية والدينية، وتبادل المساعدة والمعلومات.

وهكذا تتشكل أحيانًا دوائر اجتماعية محلية تمنح المهاجر شعورًا بالأمان والانتماء في مجتمع لا يزال جديدًا بالنسبة إليه.

من منظور سوسيولوجي، لا ينبغي النظر إلى هذه الشبكات باعتبارها عائقًا أمام الاندماج بالضرورة. فهي تمثل شكلًا من أشكال رأس المال الاجتماعي، إذ تساعد الوافد الجديد في العثور على السكن أو العمل وفهم الإدارة، ومواجهة الوحدة، كما تحافظ على اللغة والذاكرة والروابط الثقافية مع بلد المنشأ.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة يظهر عندما تتحول الشبكة الاجتماعية إلى فضاء شبه مغلق. فكلما اقتصرت علاقات الفرد على أبناء لغته وثقافته، تقل فرص الاحتكاك اليومي بالمجتمع الفرنسي. وهنا تصبح المسألة مرتبطة باللغة بصورة مباشرة.

فمن بين العراقيين والسوريين الذين استقروا في فرنسا، نجد من لا يزال، حتى بعد سنوات، غير قادر على التحدث بالفرنسية إلا بصورة محدودة جدًا. وفي المقابل، هناك من اكتسب مستوى متوسطًا يسمح له بإدارة حياته اليومية، وهناك من وصل إلى مستوى متقدم وأصبحت الفرنسية بالنسبة إليه لغة للعمل والصداقة والنقاش والحياة الاجتماعية.

هذه الاختلافات لا يمكن تفسيرها بالقدرات الفردية وحدها. فاللغة ظاهرة اجتماعية بقدر ما هي مهارة فردية. فمن يعيش معظم يومه داخل فضاء ناطق فقط باللغة العربية ستكون حاجته إلى استخدام الفرنسية أقل من شخص يعمل ويدرس ويقيم علاقات يومية مع الفرنسيين.

وهنا قد تنشأ دائرة يصعب كسرها:  فضعف اللغة الفرنسية قد يدفع الفرد إلى الاعتماد أكثر على جماعته الأصلية، والاعتماد شبه الكامل على الجماعة يقلل بدوره فرص ممارسة الفرنسية، فيستمر ضعف اللغة. وهكذا يمكن أن تتحول العزلة اللغوية تدريجيًا إلى عزلة اجتماعية، حتى وإن كان الشخص يعيش جغرافيًا في قلب مدينة فرنسية.

في المقابل، هناك نمط آخر لاحظته من خلال المعايشة، ويمكن وصفه بـالاندماج المزدوج. فأصحابه يعيشون بين فضاءين: فهم يحتفظون بصداقاتهم العراقية والسورية والعربية، وفي الوقت نفسه يقيمون علاقات حقيقية مع الفرنسيين من خلال العمل والدراسة والجيران والأنشطة الثقافية والاجتماعية.

هؤلاء لا يغادرون ثقافتهم الأصلية لكي يدخلوا الثقافة الفرنسية، وإنما يتعلمون التنقل بينهما. يتحدثون العربية في فضاء والفرنسية في فضاء آخر، ويحافظون على عاداتهم وذاكرتهم، بينما يكتسبون في الوقت نفسه الرموز والقواعد الاجتماعية للمجتمع الذي يعيشون فيه.

أما النموذج الثالث، فيتمثل في أشخاص اختاروا الانغماس الثقافي والاجتماعي بدرجة أكبر. فهم يفضلون تكوين صداقات فرنسية، واستخدام الفرنسية بصورة شبه دائمة، والمشاركة في الحياة الثقافية والاجتماعية المحلية. وقد يقل ارتباط بعضهم بالجالية الأصلية، سواء كان ذلك اختيارًا واعيًا لتسريع اندماجهم أو نتيجة طبيعية لمسارهم الدراسي والمهني والعاطفي.

غير أن هذا يقودنا إلى سؤال أساسي: هل كثرة العلاقات مع الفرنسيين تعني بالضرورة اندماجًا أفضل؟

سوسيولوجيًا، الإجابة أكثر تعقيدًا. فالاندماج ليس حالة واحدة يمكن قياسها بعدد الأصدقاء الفرنسيين، وإنما هو مسار متعدد الأبعاد. يمكن الحديث عن اندماج لغوي، واجتماعي، ومهني، واقتصادي، وثقافي، ومدني، وحتى هوياتي. وقد يكون الفرد مندمجًا بدرجة كبيرة في أحد هذه المجالات وأقل اندماجًا في مجال آخر.

كما أن مسؤولية الاندماج لا تقع على المهاجر وحده. فالفرص التي يمنحها المجتمع المستقبل لها دور أساسي أيضًا. المدرسة والجامعة والعمل والسكن والسياسات العامة ومكافحة التمييز وإمكانية الوصول إلى الفضاءات الثقافية والاجتماعية، كلها عوامل تحدد مقدار الاحتكاك الذي يمكن أن يحدث بين المهاجر والمجتمع.

وتلعب السيرة الفردية دورًا لا يقل أهمية: فالعمر عند الهجرة، ومستوى التعليم، ومدة الإقامة، والعمل، والوضع العائلي، ومستوى اللغة، وطبيعة الحي وشبكة العلاقات الاجتماعية. ولذلك قد نجد شخصين وصلا إلى فرنسا في السنة نفسها، لكنهما بعد عشر سنوات يعيشان تجربتين اجتماعيتين مختلفتين تمامًا.

لهذا يبدو اختزال العراقيين والسوريين في فرنسا تحت تسمية «الجالية» أمرًا مضللًا بعض الشيء. فداخل هذه الجالية توجد عوالم اجتماعية متعددة، ودرجات مختلفة من القرب والابتعاد عن المجتمع الفرنسي، كما توجد هويات جديدة تتشكل باستمرار تحت تأثير الهجرة.

وربما تكون إحدى أكثر نتائج الهجرة إثارة للاهتمام هي ظهور أفراد لا يشعرون بأن عليهم الاختيار بين هويتين. فالعراقي يستطيع أن يصبح جزءًا من المجتمع الفرنسي دون أن يتوقف عن كونه عراقيًا، والسوري يستطيع أن يكتسب الثقافة الفرنسية دون أن يمحو ذاكرته السورية.

ومن هنا، فإن السؤال السوسيولوجي الأهم ليس: متى يتوقف المهاجر عن كونه عراقيًا أو سوريًا ويصبح فرنسيًا؟ بل كيف يعيد المهاجر بناء هويته وشبكاته الاجتماعية بعد الهجرة؟ وكيف يستطيع الانتقال من مجرد العيش في فرنسا إلى العيش داخل المجتمع الفرنسي والمشاركة فيه، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بجزء من اللغة والذاكرة والثقافة التي جاء بها؟

في هذه المسافة بين الوطن الذي غادره الفرد والمجتمع الذي استقبله، تتشكل في النهاية تجربة المهاجر: ليس باعتباره إنسانًا عالقًا بالضرورة بين عالمين، وإنما باعتباره قادرًا على الانتماء إلى أكثر من عالم في الوقت نفسه.

كاتب وباحث من باريس *

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours