رواية الزاويتي : هُروبٌ نَحوَ القِمّة

 

توهّمات البحث عمّا وراء الجبل

 

حسن عبد الحميد – نمتار

 

يرى “هيراقليدس” أن في مهام بحثك عن الحقيقة، يجب أن تكون متأهباً على الدوام لما هو غير مُتوقَّع، لأن الحقيقة مُنهمكة في البحث عنها، فضلاً عن كونها باعثة على الحيرة حالما تتمكن من إيجادها!!

تشي رواية الكاتب والإعلامي أحمد الزاويتي «هُروبٌ نَحوَ القِمّة» بالكثير والقاسي والمثير من المواقف وجسامة الأحداث، وتتداخل الظروف وملابساتها المتشابكة، كتلك التي سبقت ورافقت وتلت الهجرة المليونية باتجاه الحدود التركية، إبّان تلك الأيام التي انهارت فيها قوى الانتفاضة الكوردية في المناطق الشمالية من العراق ـ هنا، تحديداً بحسب هذه الرواية ـ على أثر تداعيات اندحار القوات العراقية وهزيمتها الساحقة والمرة في حرب الخليج الثانية جراء غزو نظام صدام للكويت، والتي عُرفت تلك الحرب التي شنّتها قوات التحالف الدولي بقيادة الجنرال “شوارسكوف” بـ”عاصفة الصحراء” (1990-1991).

لم تدم انتفاضة الشعب الكوردي، بحاصل واقع ما تناولته مجسات الرواية وعوالمها النازفة والقاسية ـ حتى في أقصى حالات الفرح ولحظات الحب والعشق والهيام ـ سوى خمسة عشر يوماً فقط من عمر وتأريخ تلك الانتفاضة، التي ارتأى أن حصر مجريات أحداثها الزاويتي أحمد بزاوية ما جرى وحصل في مدينته “دهوك” بمدنها وضواحيها، على وجه الدقة ومرارة الخوض في أدق التفاصيل المتنامية على هوى وسجية ما عاش أبناء محلتهم من طفولة تلقائية، وصبابة رائقة، وشطحات مراهقة، وإلى ما ترافق من مرح وترح وسوانح قصص حب بريئة، ومواقف ساخرة وقفشات شقاوة بدبق علاقات إنسانية محضة، زهت تتبادل بروح حية ما بين جيران المحلة، كذلك أيام الدراسة بمراحلها وأجوائها وطبيعة وحميمية ما يجمع الناس في مثل تلك المناطق الشعبية التي ما يكاد يكابدها شبح الفقر حتى يغافلها التوجس والخوف؛ الخوف من المجهول ومن القادم، وما شاء يجري في فلك تلك السنوات، ليبقى قنديل الطفولة يضيء كل دروب القادم من أيامنا، على حد تعبير “باشلار” في كتابه «جماليات المكان».

ذاكرة الفرد

شاء لأحمد الزاويتي، في خضم مهام براعات تناوله لأحداثيات عمله الساعي لأن يؤرّخ إلى راهن مديات وآفاق ما اتسعت ذاكرته، وذخائر ما استوعبت، من خلال تغلغل ما في نسيج ذاكرته من مشاهدات وتصوّرات ماثلة أمام مُخيّلة واسعة ويقظة حاضرة، بمجمل جوانبها اللائبة والعائدة، بفعل قصد واختيار مسبق، إلى نحو ستة وعشرين سنة من تأريخ ذلك الهروب الجماعي، الذي بات يفصله ويفصلنا عن يوم وتأريخ نشر روايته في أربيل يوم 5-11-2017، راثياً بها وعبرها مرارة وسخط عذابات وتهويمات تلك الأيام العشرة التي ارتآها – بحسب ما سمّى وأورد – التراجيدية الكوردية على أقصاها وأقساها، سارداً ومعتمداً على تماثل الفعل العام، ألا وهي القضية الكوردية برمتها، الشاغل الأشمل لما سعت إليه أحداث الرواية في بسط نفوذ أوسع مدىً وتأريخاً لما لها وما عليها، وفق شفاعة السرد وسواند الأثر الإنساني المتداول في سياق وأنساق بلاغة باصرة، ويفاعة وعي حساس ونابضة بحمى سخونة رصد، تناوب مرات ومرات بسطوة حضور شخصية بطل الرواية “أوميد”، الذي ما انفك يردد بوطأة اكتواء نار داخلية تروم لأن تخلّص رحلة هذا العذاب الكوني وبواعث معطياته وحقيقة أسباب ما تجلّى جراء جور ما حدث وشاء حصل. نسمعه يقول:

«نصر سريع، أعقبته هزيمة أسرع»

أوميد، بكل ما تجذّر فيه من ألم وتطلعات، أحيت فيه نسغ الحب الجارف الذي جمعه بـ”كانيك” الفائضة الفتنة والجمال، وبما هي مزدانة بشخصيتها من قوة واتزان وصبر ومطاولة في مشاق تلك الرحلة المتداخلة، بحيثيات وتواثب أزمنة وأمكنة عدة، من تلك التي طافت بهم بصحبة صديقهم “أزاد”، بمعية حمل ابنهما الرضيع “سرُهلدان”، الذي فارق الحياة – التي لم ير منها سوى أربعة أسابيع، والتي هي عمره – حيال عجز الأب والأم العاشقين الأثيرين “أوميد وكانيك”، اللذين كانت قصة عشقهما أشبه بقصص العشق الأسطوري، كما “شيرين وفرهاد / ممّ وزين / روميو وجوليت / قيس وليلى”، عن درء خطر اقتناص مخالب ذلك اللص اللعين “الموت” لذلك الرضيع، فيما استطاعا الحفاظ على “بهيفان”، البنت الرهيفة ذات العامين، في ظل قساوة مرمى وأسى الهروب المليوني المريب، والذي كثّف ولخّصه الروائي بحنكة ومهارة اختزال، عبر نموذج هذه الحالة لهذه العائلة الصغيرة، من سواند تطلعاته وصدق غاياته النبيلة، والمثقلة بوافر من طائل هموم وهواطل أمطار من نار مصائب ونوائب حروب مستمرة.

 

ثريا العنوان

نعم… ثمة من يرى من المهتمين والمختصين بدعائم النقد والتحليل والتحديث، بأن العنوان يُعد العتبة الأولى للنص، وثمة من يطلق عليه «ثريا النص»، كونه الكاشف المعين لمضمون المتن.

أرى من هنا، وقد تماثل عنوان الرواية دالاً ودقيقاً جداً من حيث وفرة المعنى وتفاعل متن الجوهر العام لجسامة الأحداث، ومدلولية الحث وتقانة البث في بنية أثر التناول الذي أجاد وبرع وتميز فيه الكاتب، من استخدامه لكلمة «نحو»، والتي تعني الاتجاه نحو القمة، على الرغم من أنه ليس شرطاً للتحقق بالوصول إلى الغاية؛ لذا تاق أحمد إلى تجاوز كلمة «إلى» التي تصلح لجانب الدلالة، متمثلة بانتهاء الحركة، كون القمة – هنا – هي جهة الهرب. يعني لو كان قد استخدمها لما أوحى لنا بالغاية الاضطرارية المثلى للجموع الهائجة والمحتجة والهاربة من طيش وجور وظلم ووحشية ممارسات قوات نظام الطاغية صدام وخلايا حزبه، أمام ما مُنوا ولاذوا به من هزيمة نكراء في حرب تحرير الكويت، ثم جاءوا ليصبوا جم غضبهم على هؤلاء الأبرياء والأنقياء من عشاق الحياة، والحلم بالكرامة والعيش الطبيعي اللائق، بيد أنهم – أي هؤلاء الأبرياء – باتوا كما لقمة سائغة في أفواه محنة رحلة بحث أخرى عن خلاص، أو لمجرد الارتماء بحضن ملاذ آمن – ولو مؤقت – حتى وجدوا مصيرهم وأرواحهم في لجج أتون مصير هو الآخر لا يخلو من قسوة وتجاهل وإهمال، حال وصول من تبقى منهم إلى مشارف الحدود التركية مع العراق.

أراني ألوذ – هنا – وأستعين – ربما – بلملمة شظايا هذا الجحيم الأرضي بأثير ما قال أبو الطيب المتنبي:

وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ
فعلى أي جانبيك تميلُ.

ليس ختاماً

بل… استقراءً لخشوع إضافي – نوعيّ – تداولي، بات يتعاشق ويتوافق مع متممات هذا العمل الأقرب إلى الملحمي منه، ومن خلال نصوع جهدي التنويري الحقيقي، فيما يخص القضية الكوردية، بتواريخ نضالاتها وسجلات تضحياتها الجسيمة والمستمرة، عبر مسارب ما أفاد به الزاويتي، وسوانح السعي بحوافل وصول قوافله وسفائن عمله، موثقاً بنسج سيل بارع ومؤلم، حتى فيما يخص ويمس حقيقة معلومات وإضاءات ضمنية، مدعمة بخطف وتوضيح صريح، ومهارة استدراكية ذكية ودالة، على وفق ما أرادت الذهاب إليه أحداث ومعطيات نبل ونوايا هذه الرواية النابهة والصادقة والجريئة، بل والشجاعة، والشجاعة في أحايين معينة هي: «أن تكون على قيد الحياة.»

بعد هذا… أعرف جيداً أن أمر الخوض في بنيان وتفاصيل هذا العمل الشاق، والمصنوع بفيض مهارات متقدمة، يتطلب تحليلاً أعم وأوسع يوازي أو يداني مقادير جهود إعلامي بارع، كان هو الآخر يضج بمهام عمله الصحفي المشهود له، بدواعي خواص سنوات شاقة، عمل مراسلاً ومديراً لمكتب أربيل في أهم وأشهر الشبكات الإعلامية في الوطن العربي والعالم، ونريد بها «شبكة الجزيرة».

نعم… لم ينس أحمد الزاويتي نفسه كصحفي في مرامي وأنساق «هروب نحو القمة»، بل ربما كان متدرعاً بما كان قد ذهب إليه “ألبير كامو” من أن الصحفي هو مؤرخ للحظات من شأنها أن تكون اللبنة الأساسية للتأريخ، وللتدوين، وللرواية، ونواحي السوسيولوجيا، والسايكولوجيا، والدين، والتربية، والأخلاق.

هذا إلى جانب الإحساس وقيمة الإدراك الإنساني والوطني لدى الزاويتي، وبما يتلاءم ويتناغم مع رأي الروائي التشيكي الكبير “ميلان كونديرا”، الذاهب بقوله إلى ما معناه: إذا أردت أن تقول شيئاً كبيراً وعظيماً، فعليك أن تقوله في رواية.

 

 

ح. ع. الحميد
أربيل – عنكاوا
آب – 2026

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours