نمتار / أكرم توفيق

لم تكن قراءاتي لقصائد الشاعر حسن عبد الحميد في المرات التي تناولت فيها نصوصه محاولة للبحث عن عبارات المديح أو إطلاق الأحكام النقدية الجاهزة بقدر ما كانت محاولة للاقتراب من تجربة شعرية تتكشف لي في كل قصيدة من زاوية جديدة.
وكلما قرأت له نصا وجدتني أمام شاعر لا يكتب القصيدة بوصفها كلاما موزونا أو صورا متجاورة فحسب وإنما بوصفها حالة شعورية وفكرية تتشكل تدريجيا وتترك للقارئ مساحة واسعة كي يشارك في إنتاج دلالتها.
وقد تناولت في قراءاتي السابقة عددا من قصائده وتوقفت عند مفرداتها وصورها وإيقاعاتها الداخلية وما يختبئ خلف ظاهرها من أسئلة ومشاعر.
ومن خلال تلك القراءات المتفرقة بدأت تتشكل لدي صورة أكثر وضوحا عن تجربة حسن عبد الحميد الشعرية وأصبح من الممكن أن أقول إنني لا أقرأ قصائده منفردة بل أقرأ تجربة شاعر تتقدم من نص إلى آخر وتعيد اكتشاف ذاتها باستمرار.
ما يلفتني في شعر حسن هو أنه لا يضع المعنى أمام القارئ مكتملا ولا يسلمه مفتاح القصيدة منذ السطر الأول. هناك دائماً شيء مؤجل شيء يتوارى خلف الصورة أو يختبئ في مفردة تبدو عابرة ثم يعود ليضيء النص كله.
ولعل هذا ما جعلني في أكثر من قراءة أجد نفسي معنيا بما يمكن تسميته (ما بين السطور) فالقصيدة عند حسن لا تنتهي عند ما تقوله وإنما تبدأ أحيانا بعد آخر كلمة فيها.
في قصيدته (إيّاك) مثلا لا يكتفي الشاعر بتشييد خطاب شعوري مباشر وإنما يجعل اللغة تتحرك بين التحذير والرغبة وبين الاقتراب والتوجس فينشأ من هذا التوتر فضاء شعري لا يمكن اختزاله في معنى واحد.
أما في (هوامس الأمس) فنحن أمام زمن لا يبدو ماضيا بالمعنى التقليدي بل ماض ما زال يعيش في الذاكرة ويتسلل إلى الحاضر من خلال الهمس والاستعادة والحنين.
وفي (عشق السواد) يتخذ اللون وظيفة تتجاوز دلالته البصرية فالسواد يتحول إلى مساحة للغياب والذكرى والفقد وإلى علامة على تجربة وجدانية تتصل بالمكان وبالأشخاص وبذلك الوداع الذي لا ينتهي بمجرد الرحيل.
أما في (ميدوزا.. ضوء) فقد وجدتُ تجربة مختلفة في بنائها الرمزي إذ يتحرك النص بين الخوف والانجذاب بين النار والدفء وبين ما قد يكون خطرا وما قد يتحول في لحظة شعرية إلى أمن وملاذ.
وهنا تبدو قدرة الشاعر على بناء المفارقة العاطفية وعلى جعل الصورة الشعرية حاملة لأكثر من إحساس في وقت واحد.
هذه النصوص على اختلاف عوالمها تؤكد لي أن حسن عبد الحميد شاعر مشغول بالإنسان قبل القصيدة. فهو يكتب الحب والفقد والذاكرة والغياب والحنين والخوف لكنه لا يتعامل معها بوصفها موضوعات جاهزة وإنما يحاول أن يمنحها تجربته الخاصة.
ومن هنا تأتي أهمية تجربته في رأيي إنه لا يبحث عن الغرابة من أجل الغرابة ولا عن الصورة المدهشة لمجرد الإدهاش وإنما يحاول أن يجعل الصورة جزءا من التجربة النفسية للنص.
وأحسب أن من أبرز سمات شعره أيضاً عنايته بالإيقاع الداخلي. حتى حين لا يكون الإيقاع قائما على الوزن التقليدي فإن الجملة الشعرية عنده تمتلك موسيقاها الخاصة من خلال التكرار والتقطيع والوقفات وتجاور الكلمات وحركة المعنى بين سطر وآخر. وهذا ما يمنح القصيدة قابلية لأن تُقرأ بصوت داخلي لا أن تُفهم فحسب.
لكن ما يجعل تجربة حسن جديرة بالقراءة النقدية في تقديري هو أنها لا تُغلق أبوابها أمام القارئ. فالشاعر يترك شيئا من الغموض لكن الغموض هنا ليس تعمية للمعنى وإنما دعوة إلى المشاركة في اكتشافه.
ولذلك لم أشعر وأنا أكتب قراءاتي عن قصائده بأنني أمام نص ينبغي أن أفسره بالكامل بل أمام نص ينبغي أن أحاوره. وهذه نقطة أراها مهمة في الشعر فالقصيدة الجيدة ليست التي تقول للقارئ كل شيء، وإنما التي تجعله يشعر بأن ثمة شيئا آخر ما زال ينتظره خلف الكلمات.
ولست هنا بصدد القول إن تجربة حسن عبد الحميد قد بلغت اكتمالها فالتجارب الشعرية الحقيقية لا تُقاس بالاكتمال بقدر ما تُقاس بقدرتها على التطور والتجدد. وما أراه في نصوصه التي قرأتها أن لديه مشروعا شعريا يمكن أن يتسع أكثر كلما ازدادت تجربته التصاقا بالأسئلة الإنسانية الكبرى وكلما واصل تعميق علاقته باللغة بعيدا عن المباشرة والاستسهال.
لقد علمتني قراءة قصائده أن الشاعر لا يُقرأ من قصيدة واحدة كما لا يُحكم على تجربته من صورة أو استعارة أو بيت جميل. الشاعر يُقرأ عبر التراكم عبر ما يتكرر في نصوصه وما يتغير عبر ما يقوله وما يتجنبه عبر صوته الخاص الذي يبدأ بالتشكل من قصيدة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور فإن قراءاتي المتعددة لقصائد حسن عبد الحميد لم تكن مجرد قراءات منفصلة بل كانت من حيث لا أدري محاولة لرسم ملامح شاعر بدأت أتعرف إلى صوته من خلال نصوصه.
وربما لهذا السبب أجد أن أجمل ما يمكن أن أقوله عن تجربته اليوم هو أن حسن عبد الحميد شاعر لا يستنفد نفسه في قصيدته وإنما يترك فيها شيئا منه وشيئا منا وشيئا من ذلك الغامض الذي لا تستطيع اللغة أن تقوله كاملا.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الشعر.
فالشعر ليس ما نقوله فقط وإنما أيضا ما نجعل القارئ يشعر به دون أن نقوله.
وهذا، في تقديري هو أحد أسرار قصيدة الشاعر حسن عبد الحميد.

+ There are no comments
Add yours