نمتار / بقلم :حنان بديع
بين جيلٍ تربّى على الصبر والانتظار، وجيلٍ وُلد في قلب العالم الرقمي، تبدو المسافة بين جيل X وجيل Z أكبر من مجرد فارق في العمر. إنها مسافة صنعتها التكنولوجيا، وتغيّر القيم، واختلاف مفهوم النجاح والعلاقات والعمل وحتى السعادة.
لم تعد الفروق بين الأجيال مجرد موضوع للنقاش العائلي أو الطريف بين الآباء والأبناء، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فكل جيل يحمل بصمات المرحلة التي نشأ فيها، ويعكس التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي عاشها.
يُطلق عادةً على جيل X مواليد الفترة الممتدة تقريبًا من منتصف الستينيات إلى أوائل الثمانينيات. وهو جيل عاش مرحلة انتقالية لافتة؛ فقد عرف الحياة قبل الإنترنت والهواتف الذكية، ثم شهد لاحقًا الثورة الرقمية وتحوّل العالم إلى فضاء متصل.
نشأ أبناء هذا الجيل على مفاهيم مثل الاعتماد على النفس، الالتزام، الصبر، واحترام التسلسل الوظيفي. كانت الرسالة الهاتفية تعني انتظار الاتصال، والصورة تحتاج إلى تحميض، والمعلومة تبحث عنها في كتاب أو موسوعة، بينما كان الوصول إلى الآخرين يحتاج إلى موعد أو زيارة أو مكالمة هاتفية.
ولهذا، غالبًا ما ينظر جيل X إلى النجاح باعتباره نتيجة طبيعية للعمل الجاد والاستمرارية. فالوظيفة المستقرة كانت هدفًا مهمًا، والوفاء للمؤسسة أو المهنة قيمة راسخة، كما أن الانتقال من وظيفة إلى أخرى لم يكن بالسهولة التي نراها اليوم.
أما جيل Z، الذي يُنسب إليه عادةً مواليد أواخر التسعينيات وحتى أوائل العقد الثاني من الألفية، فقد نشأ في بيئة مختلفة تمامًا.
هذا جيل لم يتعرّف إلى التكنولوجيا بوصفها اختراعًا جديدًا، بل وجدها جزءًا طبيعيًا من حياته. الإنترنت، الهاتف الذكي، وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت أدوات يومية للتعلم والعمل والترفيه والتواصل.
بالنسبة إلى هذا الجيل، العالم لا يتوقف عند حدود المكان. يمكنه التعلم من جامعة في بلد آخر، والعمل مع مؤسسة في قارة مختلفة، وبناء صداقات وعلاقات مهنية عبر الإنترنت.
كما أن جيل Z يميل إلى البحث عن المعنى والمرونة والتوازن، ولا يرى أن النجاح المهني يجب أن يكون على حساب الحياة الشخصية. ولذلك قد يبدو أكثر استعدادًا لترك وظيفة لا يشعر فيها بالتقدير أو لا تتوافق مع قيمه، حتى لو كانت مستقرة من وجهة نظر الأجيال السابقة.
ربما تكون التكنولوجيا هي أكثر ما يكشف الفارق بين الجيلين.
كل جيل هو ابن زمنه.. وبين الجيلين، ربما لا نحتاج إلى اختيار من هو الأفضل، بل إلى اكتشاف ما يمكن أن يتعلمه كل منهما من الآخر. وفي النهاية، قد يكون أجمل ما في اختلاف الأجيال أن كل جيل يحمل قطعة من الصورة؛ وحين تجتمع القطع، يصبح المشهد أكثر اكتمالًا.

+ There are no comments
Add yours