في مفهوم «شرعية الهدم»!!؟

نمتار / بقلم: خالد شوكات

ليس ثمّة أسهل من الهدم، ولا أصعب من البناء. وما تمكّن التونسيون من بنائه بصعوبة على مدار عشر سنوات من مسار الانتقال الديمقراطي، تمكّن رجل واحد من هدمه في أسابيع، وإن كان ذلك خطوةً بعد خطوة. فكلّما نقض عروةً من عرى الديمقراطية الفتيّة، ونظر من حوله، فوجد من يهلّل له ويكبّر، أو يهتف ويزمّر، عدّ ذلك تشجيعاً له على المضيّ قدماً في طريقه، حتى أضحت «منجزاته»، على الرغم من مرور سنوات على استحواذه على جميع السلطات، تتمثّل أساساً في عمليات هدم أركان النظام الديمقراطي الناشئ، الواحد تلو الآخر.

ولعلّ هذه السيرة غير المسبوقة في تاريخ الحكم في تونس تشكّل حالةً دراسية تتجاوز الشأن الوطني إلى الشأن الدولي الأوسع، وتستحق اهتمام منظّري الديمقراطية في كل مكان. فواحد من التحدّيات التي تواجه حالات الانتقال الديمقراطي، أينما حدثت، هو أن بناء المؤسسات الديمقراطية يستغرق سنوات طويلة، بسبب اشتراطاته الكثيرة والمعقّدة، وما يترتّب عليه من بطء في اتخاذ القرارات. وهو ما يجعل الانتقال من مرحلة البناء التشريعي والسياسي إلى مرحلة تحقيق التنمية مساراً طويلاً، ويمنح، في الوقت نفسه، انطباعاً لدى غالبية المواطنين بتراجع أحوالهم المعيشية قياساً إلى ما كانت عليه في عهود الاستبداد والديكتاتورية.

ومن شأن هذا الوضع أن يساعد على خلق بيئة مناسبة لنمو الأفكار المعادية للديمقراطية، من شعبوية وفاشية وغيرهما من أشكال الراديكالية، التي تتغذّى، في جانب كبير منها، على النوستالجيا، أكانت حنيناً إلى الماضي البعيد أم إلى الماضي القريب؛ فلا فرق كبيراً في ذلك، إذ تكاد النتيجة تكون واحدة: المساهمة في ظهور نوع جديد من شرعيات الحكم، يمكن أن نطلق عليه اسم “شرعية الهدم”.

وباسم هذه الشرعية تحديداً، وجد حاكم جديد، مثل قيس سعيّد، نفسه قادراً على فعل ما لم يفعله حتى زعيم استثنائي مثل الحبيب بورقيبة، الذي استند إلى «الشرعية التاريخية»، لكنه لم يكن، رغم ذلك، قادراً على كتابة دستور بمفرده. وكذلك لم يستطع الرئيس زين العابدين بن علي، الذي اعتمد على شرعية «الغلبة» بعد تمكّنه من إزاحة «أب الأمّة»، أن يلغي الحياة السياسية بصورة كاملة، أو يقصي النخب من مختلف الاتجاهات، أو يضع يده على جميع السلطات، بالكيفية التي فعل بها هذا الرجل غريب الأطوار والمسار.

مقتطف من كتابي الأخير العشرية البيضاء

صورة لقاء قبل يومين مع الصديق المفكّر العربي العراقي الكبير د. عبد الحسين شعبان، ونحن بصدد مناقشة هذا المفهوم الجديد، لنوع جديد من أنواع شرعية الحكم في العالم العربي المبتلى بالطغيان.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours