بالتأكيد، يصعب أن نتخيل سيزيف سعيدًا، مهما حاول ألبير كامو أن يمنحه، في لحظة فلسفية خاطفة، حقّ السعادة في مواجهة عبث المصير. فكيف يمكن للإنسان أن يبتسم وهو يدفع صخرته كل صباح نحو قمة يعرف، في قرارة وعيه، أنها ستعيدها إليه في المساء؟ وكيف يمكن للفرح أن يجد موطئًا له في جسدٍ أنهكته الطريق، وفي كتفين صارت البلاءات أثقل من أن يحتملهما الصمت؟
ومع ذلك، لعل في أسطورة سيزيف شيئًا يتجاوز العبث نفسه: احتجاجًا خافتًا على فكرة أن يكون الشقاء قدرًا أبديًا، وأن تتحول الهموم إلى عادة، والألم إلى مواعيد يومية يبرح فيها الجسد دون أن يمنحه الموت فسحة الخلاص. ثمة لحظة، مهما تأخرت، يبدأ فيها الإنسان بالسؤال عن معنى أن يواصل حمل الصخرة، وعن الجريمة الخفية التي تجعل من تكرار العذاب فضيلة، ومن الاحتمال قانونًا، ومن الصمت شكلًا آخر للاستسلام.
وربما يأتي يوم يظهر فيه سارد أو مفكر يتقمص سيزيف نفسه؛ يصعد إلى المسرح مرتديًا قناع الناجي، ويتحدث بلسان من خرج لتوه من أقبية الشقاء، ثم يفاجئ العالم باعترافه الأكثر قسوة: أنه لا يستطيع أن يكذب على الذين حوله، ولا أن يبيع لهم الوهم باعتباره خلاصًا، ولا أن يجمّل جرحًا ظل مفتوحًا طوال الرحلة.
عندها، ربما ينكشف سيزيف على حقيقته: كائنًا خُلق لمهمة مستحيلة، يعيش وراء الصخرة، وتطارده القمة التي لا تكتمل، ويعود كل مرة إلى نقطة البداية، كأن الحياة نفسها آلة هائلة لإعادة إنتاج العناء. لكن المفارقة الأشد مرارة أن الموت، الذي كان يفترض أن يضع حدًا للرحلة، قد سبقَه إلى الخلود؛ فصار سيزيف أبديًا لأنه لم يستطع أن ينتهي، وصارت صخرته أكثر خلودًا منه لأنها تختصر ذلك الجزء المظلم من الإنسان الذي يواصل الصعود، حتى بعد أن يفقد القدرة على تصديق الوصول.
يمكن دفع الفكرة أبعد من قراءة كامو لسيزيف، بحيث لا تكون السعادة نقيضاً للشقاء، بل طريقة في إعادة تأويله وتحويله من قدرٍ مفروض إلى فعل مقاومة. وهنا صياغة أكثر كثافة واستناداً إلى كامو ونيتشه وسبينوزا وريكور:
2 ـ
قد تكون سعادة سيزيف، على نحو أكثر التباسا مما أراد لها كامو، في أنه لا يريد بالضرورة أن يتحرر من صخرته؛ إذ ربما لم تعد الصخرة، بعد كل هذا الصعود والسقوط، مجرد عقوبة معلقة في جسد القدر، وإنما غدت الشكل الذي تعرّف فيه سيزيف إلى نفسه، وإلى الزمن، وإلى تلك المسافة الغامضة بين ما يثقل الروح وما يجعلها قادرة على الاستمرار. وربما كانت صرخاته، وهي تشق صمت الفراغ وتقاوم ابتلاع الزمن، لا صرخات استسلام، وإنما بقايا لذة خفية في أن يظل قادرا على التحدي، حتى حين يبدو التحدي بلا جدوى.
لقد جعل كامو من وعي العبث نقطة البدء في استعادة الحرية، حيث يدرك الإنسان أن الصخرة ستعود دائما إلى السفح، ومع ذلك يختار أن يدفعها من جديد. لكن يمكن الذهاب خطوة أخرى: ماذا لو لم تكن سعادة سيزيف في انتصاره على الصخرة، وإنما في رفضه أن يترك الصخرة تنتصر عليه؟ هنا لا تعود السعادة مكافأة تأتي بعد الخلاص، وإنما تصير فعلا يتخلل الشقاء نفسه، ويستخرج من داخله إمكانية الحياة.
وفي هذا المعنى يقترب سيزيف من حيث لا يبدو، من نيتشه؛ فالحياة عند نيتشه لا تُقاس بغياب الألم، بل بالقدرة على أن نقول “نعم” للحياة بكل ما فيها من تناقضات وجراح وثقل. ومن هنا يصبح الحب القدري للحياة أكثر من قبول لما يحدث؛ إنه تحويل الضرورة إلى إرادة، وتحويل ما لا نستطيع تغييره إلى مادة نعيد بها تشكيل علاقتنا بأنفسنا. الصخرة لا تتغير، لكن الذي يتغير هو موقع الإنسان منها.
ولعل سبينوزا كان سيجد في هذا المشهد شيئا من منطقه أيضا؛ فالسعادة ليست انطفاءً للرغبة ولا خروجا من شبكة الضرورة، وإنما ارتفاع في قدرة الكائن على الفعل. حين يفهم الإنسان ما يقيّده، لا يصبح حراً لأنه أفلت من الضرورة، وإنما لأنه بدأ يفهمها ويحوّل طاقتها من قوة تسحقه إلى قوة يستعملها في بناء وجوده.
لذلك، ربما لم يكن سيزيف سعيدا رغم شقائه، وإنما كان سعيدا في اللحظة التي انتزع فيها من الشقاء معنى لا يمنحه الشقاء نفسه. فمهما كان الألم حادا، ومهما بدا الطريق مكررا إلى حد الاستنزاف، تظل في الحياة تلك القدرة الغريبة على استعادة نبضها؛ كأن الأمل لا يسكن دائما في الوصول، وإنما يتسلل من شقوق الطريق ذاته.
وكذلك تصبح “السعادة السيزيفية” احتمالا فلسفيا لخرق ما نظنه طبيعيا في علاقتنا بالأشياء والهواجس والمآلات. فمن اعتاد أن يرى السعادة في امتلاك النتيجة، قد يجدها سيزيف في ممارسة الفعل؛ ومن اعتاد أن يربط المعنى بالنهاية، قد يكتشف أن المعنى يمكن أن يولد من التكرار؛ ومن ظن أن الخلاص هو التخلص من الصخرة، قد يكتشف أن الخلاص الأعمق هو أن تتوقف الصخرة عن امتلاك تعريفك لذاتك.
ولعل ريكور، في حديثه عن الذاكرة والسرد والهوية، يساعدنا على فهم هذه المفارقة من جهة أخرى، فنحن لا نعيش الأحداث فقط، وإنما نعيد روايتها لأنفسنا، ومن خلال هذه الرواية يتغير معنى ما عشناه. الصخرة التي كانت في أول الحكاية سجنا، قد تصبح في آخرها شاهدا على القدرة على الاستمرار. والجرح الذي كان علامة على الانكسار قد يتحول، بعد إعادة تأويله، إلى جزء من السيرة التي تمنح الوجود تماسكه.
إن سعادة سيزيف لا تبدو انتصارا رومانسيا على الألم، ولا إنكارا لقسوته؛ إنها مكرٌ وجوديٌّ يمارسه الإنسان على قدره، في أن يأخذ ما لم يختره، ثم يعيد تشكيل علاقته به حتى لا يبقى مجرد ضحية له.
فهل يمكن للسعادة أن تكون في بعض صورها، نوعا من العصيان الهادئ لقوانين المألوف؟ وهل يمكن للإنسان أن يجد في تكرار ألمه فرصة لاكتشاف ذاته، وفي مقاومة العبث ضربا من المعنى، وفي الطريق الذي لا ينتهي سببا للاستمرار؟
ربما تكمن المفارقة السيزيفية في أن الصخرة قد تبقى هي الصخرة، لكن الإنسان لم يعد هو الإنسان نفسه كلما دفعها. ولذلك ربما لا يكون سيزيف سعيدا لأنه نجا من الجحيم، وإنما لأنه في كل مرة تدحرج فيها الصخرة إلى الأسفل، استطاع أن يصعد وراءها من جديد؛ كأن الحياة لا تمنحه وعدا بالخلاص، وإنما تمنحه شيئاً أكثر غموضا، حيث الرغبة في أن يبدأ مرة أخرى.
+ There are no comments
Add yours