حقيبة مغترب..حين يعلّمنا الصغار والكبار دروسًا في الحياة

نمتار / فائق العبودي

هذا الصباح، كنت أتحدث مع زوجتي عن بعض ردود الأولاد التي تجعلنا نتوقف قليلًا… ونفكر.

حكت لي عن سليمان، ابن أختها، الذي جاء مع عائلته في إجازة. هذا الصباح، قرر سليمان أن يذهب مع مجموعة كانت متجهة إلى الألعاب، فقالت له :

ألم تكن تقول لي إنك مشتاق لي؟ واليوم لا تريد أن تبقى معي؟

فأجابها بكل بساطة:

نعم، كنت مشتاقًا لك… والآن رأيتك.

وكأن الأمر انتهى هنا. لا عتاب، ولا تعقيد، ولا مشاعر زائدة. رأيتها، فانتهى الاشتياق!

وأخبرتها بدوري عن حفيدي ياسين،  يوم غضبت منه وقلت له كلامًا لم يعجبه، فاستمع إليّ بكل هدوء، ثم قال:

«أنا أيضًا أحبك.»

وكأني كنت أقول له أحبك.

ضحكت كثيرًا… لكنني في اللحظة نفسها شعرت أنني أنا الذي تلقيت درسًا.

اعتذرت له وقلت: «وأنا أحبك جدًا.»

والحقيقة أعجبني ردك…

بعض الردود لا تحتاج إلى نقاش طويل. جملة واحدة منها تكفي لأن تجعلنا نعيد حساباتنا، ونراجع طريقتنا، ونتعلم.

وهنا تذكرت قصة ذلك الرجل الثمانيني الذي كان يقود سيارته ببطء، ودخل إلى طابور السيارات أمام أحد مطاعم ماكدونالدز ليطلب طعامه.

كانت حركته بطيئة، والطابور خلفه بدأ يطول. وكانت هناك سيدة تقف خلفه، يبدو أن العجلة قد سبقت صبرها، فأخذت تضغط على منبّه سيارتها طويلًا، وتلوّح بيديها مطالبة إياه بأن يسرع.

الرجل لم يغضب، ولم يرد عليها بالمثل.

أنهى طلبه بهدوء، ثم طلب من الموظف أن يدفع أيضًا ثمن وجبة السيدة التي خلفه.

عندما وصلت إلى الشباك، تغيّر كل شيء.

تبدلت ملامحها، ورفعت يدها تلوّح له شاكرة، وشعرت بالحرج الكبير بعد أن قابل وقاحتها بلطف، وهي التي كانت قبل لحظات تستعجله بعصبية.

لكن الرجل لم يكتفِ بذلك.

تقدم إلى الشباك الثاني، حيث يستلم الناس طلباتهم، وأخذ طعامه وطعام السيدة، ثم حرّك سيارته وغادر.

وهكذا اضطرت السيدة إلى الخروج وأعادة الدور  والانتظار من جديد!

كان بإمكانه أن يلقنها درسًا بالصراخ، أو أن يرد على عصبيتها بعصبية أكبر… لكنه اختار طريقة أذكى.

قال لها، بطريقة عملية لا تحتاج إلى كثير من الكلام:

أردت فقط أن تتعلمي ألا تستعجلي كبار السن… فقد تكون حركتهم أبطأ، لكن تجربتهم في الحياة أكبر، وقد عاشوا ورأوا من أشكال البشر ما يكفي.

الحياة مليئة بهذه الدروس الصغيرة.

نتوقع أحيانًا أن نعلّم أبناءنا وأحفادنا الصبر، والحب، والهدوء، وحسن التصرف… ثم يفاجئوننا هم بجملة واحدة تجعلنا نحن من يتعلم.

ربما أجمل ما في التربية أننا لا نربيهم وحدهم.

هم أيضًا يربوننا.

وبعض الدروس تأتي على هيئة طفل… وبعضها يأتي على هيئة رجل عجوز في طابور ماكدونالدز.

دمتم بألف خير.

سويسرا/ لوزان

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours