نمتار / د.حيدر سعيد

في العام 2000، وفي أجواء بطولة أمم أوروبا لكرة القدم، التي جرت في هولندا وبلجيكا، وأحرزت فرنسا الكأس، إثر فوزها في المباراة النهائية على إيطاليا، كتبت مقالًا عنوانه “بلاغة كرة القدم: محاولة في سيمياء خاصة”.
لم تكن كتابةُ المثقفين والكتّاب والأدباء والأكاديميين عن الرياضة رائجةً كما هي اليوم. وقد حظي المقال، حينها، باهتمام واسع، وعَبَرَ صداه حدودَ المجلة العراقية المحلية التي نشرتُه فيها.
لا أملك نسخة من هذا المقال، إلا إن أحد الأصدقاء من كتبيي شارع المتنبي، عثر – قبل مدة قصيرة – على نسخة من عدد مجلة “الموقف الثقافي”، المنشور فيه المقال، فصوّره وأرسله لي. وأرفق، هنا، صورة له.
كنتُ حينها لا أزال تحت تأثير تكويني في اللسانيات والسيميولوجيا (كنتُ في الأشهر الأخيرة من دراسة الدكتوراه، إذ ناقشت أطروحتي صيفَ 2001، قبل 25 سنة بالضبط). ولذلك، ركّز المقال على دراسة كرة القدم بوصفها حدثًا اتصاليًا ونظامَ علامات، يجري فيه تبادل العلامات السيميائية بين مرسلين ومستقبلين، وهي علامات عُرفية اعتباطية، بالضرورة، بتحديد فردينان دي سوسير.
من هنا، حمل العنوان الرئيس للمقال تعبير “بلاغة”، ووَصَفَ العنوانُ الفرعي كرةَ القدم بأنها “سيمياء خاصة”.
غير أننا إذا نظرنا إلى كرة القدم بوصفها حدثًا متكاملًا، لا يقتصر على المباراة نفسها، بل يشمل الجمهور، وهتافاته، والتعليق الرياضي، وما يسبق المباراة، وما يعقبها، سنجد أن نظام العلامات هذا تخترقه اللغةُ البشرية، كما تخترق أنظمةَ العلامات كلها (وهذه أطروحة رولان بارت)، فأسماءُ اللاعبين المثبتة على قمصانهم الرياضية، وسحناتهم، والإعلانات، والجَيَشان اللغوي المحيط بالملعب، كل ذلك سيلقي بكرة القدم في حقل علمي غير (وأوسع من) السيميولوجيا.
وبسبب هذا، تضمن المقال – في مقدمته وخاتمته – ما يمكن وصفها ب “إشارات أنثروبولوجية” عن كرة القدم من حيث هي حدث ثقافي في المجتمعات المعاصرة، فأشرتُ إليها بوصفها واحدة من مظاهر الثقافة الشعبية الحديثة، وبوصفها احتفالًا كرنفاليًا، يناظر – للمجتمعات المعاصرة – الكرنفالات الدينية (وكان منها اللعب، وأحيل هنا على مقال الفيلسوف الألماني هانز غيورغ غادامير “الفن بوصفه لعبًا ورمزًا واحتفالًا”، في كتابه “تجلي الجميل”)، كما أن كرة القدم – بمستوى من المستويات – تدوين لتاريخ المجتمعات والتحولات فيها في مسائل الهوية، والدولة، والنزعة الإمبراطورية، وما إلى ذلك.
قلتُ إن المقال تضمن إشارات (أو حدوسًا، وربما استبطانات)، لأنني – حينها – وإن كنت واعيًا بأن كرة القدم يمكن أن تكون أحد مفاتيح “أنثروبولوجيا المجتمعات المعاصرة”، فإنني لم أكن واعيًا بإمكان أن تندرج دراستُها في الحقل المسمى “الدراسات الثقافية Cultural Studies”، الذي نشأ في بريطانيا أواخرَ الخمسينيات من القرن العشرين، وكنت حينها في بدايات قراءتي النصوصَ الأساسية في الحقل وتعرفي عليه.
أصبح هذا الأمرُ يقينًا راسخًا لدي مباشرة بعد نشر هذا المقال: أن كرة القدم (والرياضة على نحو عام) هي إحدى الظواهر الثقافية البارزة في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة (بفهم أن الثقافة هي “طريقة الحياة”، بتعريف رايموند وليامز، أحد أهم منظري الدراسات الثقافية، في كتابه “الثورة الطويلة” الصادر في العام 1961، وهو التعريف الذي يعتمده هذا الحقل ل “الثقافة”). وإذا كانت الدراسات الثقافية قد حرّرت مفهومَ “الثقافة” من اختزاله بالثقافات البدائية، التي سجنته فيها الأنثروبولوجيا منذ تعريف تايلور المؤسّس في القرن التاسع عشر، ونقلت النظرَ إلى “الثقافة” كما هي في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، وكيف تتشكل وتُستعمل فيها، فإن حقل الدراسات الثقافية – من ثم – هو الأولى باحتضان دراسة الرياضة.
ينبغي لي أن أشير، هنا، إلى كتاب الصديق د. علي ناصر كنانة “الولاء البديل: دراسة ثقافية في التأثيرات العميقة لكرة القدم” (2023)، بوصفه أحد الأعمال العربية النادرة التي تتناول كرة القدم من منظور الدراسات الثقافية. وهو في الأصل رسالة جامعية.



+ There are no comments
Add yours