قراءة نقدية لـ ” مطلع القصيدة” للشاعر حسن عبدالحميد

نمتار / أكرم توفيق

يفتتح الشاعر نصه بصورة ذات طابع إشراقي (أتعطر بضوء الشمس)  وهي استعارة موفقة تنقل الضوء من كونه عنصرا بصريا إلى عطر يلامس الروح. إنها بداية تمنح النص بعدا حسّيا وروحيا في آن واحد وتوحي برغبة في التطهر أو استدعاء الأمل قبل الانحدار إلى مساحة الألم.

ثم تأتي العبارة ( وأهمس رفقا… رفقا بالبياض) لتمنح البياض صفة الكائن الحي القابل للأذى. والبياض هنا لا يبدو لونا فحسب  بل رمزا للنقاء  أو البراءة أو الحلم الذي تهدده قسوة الانتظار.

إنها من أجمل مفاصل المطلع لأنها تفتح باب التأويل على مصراعيه.

ويكرر الشاعر قوله (تلك سيدة ) مرتين  وهو تكرار يحمل وظيفة إيقاعية ودلالية معا  إذ يرسخ حضور الشخصية المحورية  ويجعلها نموذجا إنسانيا يتجاوز الفرد إلى كل امرأة أنهكها الانتظار.

غير أن الانتقال من (سامها وجع انتظار) إلى (سامها عتق انتظار) يثير التأمل فكلمة عتق تبدو هنا محملة بإيحاء التحرر والانفلات  لكنها تأتي بعد فعل (سامها)  فتولد مفارقة دلالية تحتاج إلى اكتمال داخل القصيدة لتتضح غايتها الفنية.

أما الصورة في (عند أول نجم / تعثر بأذيال أنوثتها) فهي من أكثر الصور شاعرية  إذ يجعل الشاعر الأنوثة ذات أذيال تتعثر بها النجوم  في قلب جميل للعلاقة بين الأرض والسماء وبين المجرد والمحسوس. إنها صورة تنتمي إلى المخيلة الحداثية  وتمنح النص طاقة تصويرية عالية.

وتبلغ القصيدة ذروة انفعالها في الخاتمة المؤقتة للمطلع (وبكى… وبكى من فرط لوعته اخضرار). هنا تبلغ المفارقة الشعرية أوجها  فالاخضرار  وهو رمز الحياة والنماء يتحول إلى كائن يبكي من شدة اللوعة.

هذه المزاوجة بين الخصب والألم تمنح النص كثافة دلالية وتؤكد أن الحياة نفسها قد تنزف حين يطول الانتظار.

على المستوى اللغوي  يتكئ الشاعر على لغة مكثفة  وصور غير مألوفة  مع ميل واضح إلى الرمز والانزياح  مما يجعل النص بعيدا عن المباشرة  وقريبا من القصيدة الحديثة التي تراهن على الإيحاء أكثر من التصريح.

يبقى هذا المطلع وعدا بنص يحمل حساسية شعرية عالية ويستثمر الصورة والاستعارة لبناء عالم تتداخل فيه الأنوثة والانتظار  والضوء  والوجع  في نسيج شعري يستحق المتابعة مع ملاحظة أن بعض التركيبات مثل (عتق انتظار) قد تحتاج إلى ما يضيء دلالتها في سياق القصيدة الكاملة حتى تبلغ تمام أثرها الفني.

 

نص قصيدة ” مطلع لقصيدة”..

————-

أتعطر..بضوء الشمس

وأهمس؛ رفقا

رفقا بالبياض

تلك سيدة..

سامها وجع انتظار

تلك سيدة..

سامها عتق انتظار

عند أول نجم

تعثر بأذيال أنوثتها

وبكى..

وبكى من فرط

..!! لوعته اخضرار

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours