نمتار / اسماعيل نوري مسيير
لا تكمن أهمية هذا التخطيط في قيمته الفنية وحدها، بل في كونه وثيقة تاريخية وثقافية تجمع بين اثنين من أبرز رموز الثقافة العراقية في القرن العشرين. فقد أنجز الفنان العالمي العراقي فائق حسن هذا البورتريه عام( 1987 ) للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح، أحد أبرز أعلام علم النفس في العراق، ليصبح العمل شاهداً على لحظة نادرة التقت فيها ريشة مؤسس المدرسة العراقية في الرسم مع شخصية علمية كان لها أثر عميق في الفكر النفسي والثقافي العراقي.

يُعد فائق حسن من أهم الفنانين الذين أسسوا الهوية التشكيلية العراقية الحديثة. فقد امتلك قدرة استثنائية على التقاط الجوهر الإنساني بأقل الوسائل الفنية، وكان يرى أن التخطيط بالقلم ليس مرحلة تمهيدية للرسم، بل عملاً فنياً مستقلاً يختبر فيه الفنان مهارته الحقيقية. ففي التخطيط لا مجال لإخفاء الخطأ بالألوان أو المؤثرات البصرية، وإنما يبقى الخط وحده مسؤولاً عن بناء الشخصية وإبراز ملامحها النفسية. وفي هذا البورتريه تبدو هذه الفلسفة واضحة. فالخطوط الرشيقة والمتزنة لا تكتفي بنقل الملامح الخارجية لقاسم حسين صالح، وإنما تكشف هدوءه الداخلي، وتأمله، واتزانه الفكري.
لقد نجح فائق حسن في أن يحول مجموعة من الخطوط البسيطة إلى شخصية تنبض بالحياة، وهو ما يميز كبار رسامي البورتريه في العالم.
وتزداد القيمة التاريخية لهذا التخطيط لأنه رُسم عام( 1987)، وهي مرحلة كانت الثقافة العراقية، رغم ظروف الحرب القاسية، ما تزال تنتج منجزات علمية وفنية كبيرة. لذلك لا يمثل هذا العمل لقاءً بين فنان وعالم نفس فحسب، بل يعكس جانباً من الحياة الثقافية العراقية التي ظلت تؤمن بقيمة المعرفة والفن حتى في أكثر المراحل تعقيداً
ومن هنا يتحول التخطيط إلى سجل بصري لذاكرة العراق الثقافية، وليس مجرد صورة شخصية. كما يكتسب العمل أهمية إضافية لأنه يوثق شخصية أكاديمية أسهمت لعقود في تطوير علم النفس، وكتبت مئات الدراسات والمؤلفات، وشاركت في بناء الوعي الاجتماعي العراقي.
إن رسم عالم نفس بحجم قاسم حسين صالح على يد فنان بحجم فائق حسن يمثل حواراً بين حقلين معرفيين، الفن وعلم النفس، وكلاهما يسعى إلى فهم الإنسان، الأول عبر الصورة، والثاني عبر دراسة السلوك والوجدان. وتأتي الصورة الحديثة للدكتور قاسم حسين صالح، وهو يقف بعد ما يقرب من أربعة عقود إلى جانب هذا التخطيط، لتمنح العمل بعداً إنسانياً مؤثراً. فاللوحة لم تعد مجرد أثر فني محفوظ على جدار، بل أصبحت شاهداً على رحلة عمر كاملة، وعلى استمرارية العطاء الفكري والثقافي لصاحبها.
إنها مقارنة صامتة بين ملامح الشباب التي حفظها قلم فائق حسن عام 1987، وملامح الحكمة والخبرة التي يحملها صاحب الصورة اليوم، لتؤكد أن الفن يمتلك قدرة فريدة على مقاومة الزمن وحفظ الذاكرة.
إن مثل هذه الأعمال تستحق أن تُصنَّف ضمن التراث الثقافي العراقي، لأنها تحفظ سيرة شخصيات أسهمت في بناء المعرفة الوطنية. فهي ليست مجرد مقتنيات خاصة، بل وثائق حضارية تكشف للأجيال القادمة طبيعة العلاقة العميقة التي جمعت بين الفن والفكر في العراق، وتؤكد أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن التاريخ، بل يصبح أحد أهم وسائله في حفظ الذاكرة الوطنية وصيانة هوية المجتمع.


+ There are no comments
Add yours