نمتار / المعمار علاء معن*

لقد أثار الكشف الأخير عن تمثال “شاعر العرب الأكبر” محمد مهدي الجواهري في حدائق أبي نؤاس ببغداد موجة واسعة من الجدل النقدي في الأوساط الثقافية والفنية العراقية، وهو جدل تراوح في طبيعته بين اعتراضات نقدية ومحاولات دفاع خجولة، لكنه تجاوز في أبعاده تقييم العمل فنيا أو الحكم على تجربة النحات، ليصل إلى صلب أزمة إدارة المشهد الحضري والجمالي في العراق عموما وفي بغداد على وجه الخصوص، حيث يكشف هذا اللغط الشعبي والنخبوي خللاً بنيويا في آليات اتخاذ القرارات المتعلقة بتخليد الرموز التاريخية والفكرية والعلمية والثقافية والفنية في الفضاء العام.
وتكمن المعضلة الحقيقية التي رافقت تمثال الجواهري في انها لم تكن وليدة اختلاف في الرؤية الفنية أو الذائقة الجمالية فحسب، بل جاءت نتيجة مباشرة لتجاوز السياقات المؤسسية السليمة التي ينبغي أن تسبق إقامة أي نصب أو عمل فني في الفضاء العام. فالأعمال التشكيلية التي تشكّل جزءاً من هوية المدينة ليست مشاريع فردية ولا ينبغي ان تكون قرارات فوقية، وإنما عنصرا من عناصر السياسة الحضرية والثقافية التي تتشارك في صناعتها الجهات القطاعية المختصة، وفي مقدمتها أمانة بغداد والمحافظات بوصفها الجهات المسؤولة عن المشهد الحضري، ووزارة الثقافة بوصفها المرجعية الفنية التي تضع المعايير وتضمن جودة النتاج الفني.
إن تجاوز هذه المؤسسات، أياً تكن الجهة التي تقف خلف المشروع، سواء كانت حكومية أو استشارية أو منظمة مجتمع مدني أو جهة مانحة أو متبرعاً، يعكس استمرار غياب السياقات الإدارية الرصينة التي تقوم عليها الدول الناضجة. فالإشكالية لا تكمن في اسم النحات ولا في مكانة الشخصية المحتفى بها، وإنما في آلية اتخاذ القرار ذاتها، حين تتحول الأعمال الفنية العامة إلى مبادرات منفردة (وإن كانت ذات نوايا طيبة) لا تستند إلى منظومة مؤسساتية واضحة.
وفي الوقت الذي لا يمكن فيه إنكار افتقار كثير من المؤسسات البلدية إلى الخبرة الفنية المتخصصة في تقييم الأعمال التشكيلية، فإن الحل لا يكون بإقصائها أو تجاوزها، بل بتعزيزها من خلال إطار مؤسسي تشاركي يجمع أصحاب الاختصاص. ويمكن أن تتولى لجنة تحضيرية وتحكيمية محايدة إدارة هذا الملف، تضم ممثلين عن أمانة بغداد (أقترح ان تكون تحت مظلة اللجنة العليا للتصميم الاساس) أو المحافظات، ووزارة الثقافة، وجمعية الفنانين التشكيليين ، واتحاد الأدباء، وأقسام العمارة والفنون الجميلة في الجامعات العراقية، إلى جانب نخبة من الفنانين والنقاد المعروفين باستقلاليتهم. تتركز مهمة هذه اللجنة في وضع الرؤية الثقافية للمشروع، وتحديد أهدافه، واختيار الموقع الأنسب له، وصياغة المواصفات الفنية والتقنية المطلوبة تمهيدا للإعلان عن مسابقة مفتوحة تضمن تكافؤ الفرص بين الفنانين.
وأرى أن تمتد هذه المسابقات إلى المستوى العربي والدولي، ولا سيما في النصب الصرحية الكبرى، بما يتيح استقطاب أفضل الخبرات والرؤى الإبداعية، مع إمكانية الاستعانة بخبراء دوليين في لجان التحكيم لضمان أعلى درجات المهنية والحياد والشفافية، بعيداً عن أي تدخلات أو اعتبارات شخصية قد تؤثر في سلامة القرار الفني.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الفن العام ليس مجرد عنصر تجميلي يضاف إلى المدينة، بل هو أحد أهم مكونات هويتها الثقافية والبصرية، ولذلك يجب ان تخضع الأعمال الفنية إلى مسابقات مفتوحة، ولجان تحكيم مستقلة، ومراحل دقيقة من الدراسة والمراجعة، كما يجب تنفيذها في معامل ومصاهر تمتلك خبرات تقنية رفيعة تضمن جودة الصب ودقة التنفيذ واستدامة العمل لعقود طويلة، حتى وإن استدعى الامر الاستعانة بمصاهر متخصصة خارج العراق. فالنصب العامة لا تُقاس فقط بقيمة الفكرة، وإنما أيضاً بجودة و سلامة التنفيذ، لأن ما يُقام في الساحات والحدائق يبقى شاهداً على ذائقة المدينة و مرآة لهويتها الحضرية أمام الأجيال المتعاقبة.
ومن هنا، فإن الجدل الذي أثاره تمثال الجواهري ينبغي ألا يُختزل في تقييم نجاح هذا العمل أو إخفاقه، ولا في الدفاع عن النحات أو مهاجمته، بل يجب أن يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومة متكاملة لإدارة الفن العام في العراق، يكون أساسها أحترام المؤسسة، والاحتكام إلى الخبرة و الاختصاص، وفتح باب المنافسة العادلة أمام جميع المبدعين، بعيدا عن المجاملة و القرار المنفرد، حتى وإن حسنت مقاصده. فالمدن لا تُقاس بما تشيده من مبانٍ، وإنما بالطريقة السليمة التي تصنع بها ذاكرتها البصرية.
*أمين بغداد السابق



+ There are no comments
Add yours