نمتار/ لبنى ياسين
“الموسيقى هي رقص متحرك للنغمات، بينما الفنون التشكيلية هي رقص ساكن للأشكال” ..كانديسكي
كنت أحضر حفلًا موسيقيًا تقوم الفرقة السيمفونية فيه بعزف أعمال موتزارت، حين بدأتُ أشعر بأنّ طيفًا لونيًا يتشكلُ مع ارتفاع وتيرة الموسيقى، ويتغير بهبوطها، تذكرتُ وقتها إجابة رجلٍ كفيفٍ منذ الولادة عن إدراكه للون، بقوله أنه يشعر به بشكل مشابه لترددات الصوت.
صارت النغمات تعلو وتهبط، وتأتي تارةً قصيرة متقطعة كضربات ريشة فان كوخ على اللوحة .. ثم تطولُ وتتصل.
فكرتُ في نفسي لو أن للنغمات لونٌ، وشكل لصنعت لوحة أسطورية الجمال في هذا الحفل الموسيقي، وإذا أخذنا في الإعتبار مقولة الفنان بول كليه:
“الفن التشكيلي هو الموسيقى الصامتة، والموسيقى هو الفن التشكيلي المتحرك.”، سندرك أنه منذ الأزل كان هناك ارتباطا وثيقاً بين الفن، والموسيقى، وربما حتى سائر الفنون الإنسانية، تلك العلاقة ليست مبنية فقط على الجمال، والإبداع، والمعاناة، وإنما على التفاعل القائم فيما بينها، وتشابكها عندما يحاول المتلقي أن يترجم أبجدياتها من خلال معارفه، ومفاهيمه، وذكرياته، وتجاربه، وأحاسيسه.
ونحن إن حاولنا توصيف الموسيقى، والفن التشكيلي لقلنا إنها أساليب تجريدية، تتجاوز الكلمات، والمفردات، واللغة كأسلوب تقليدي في التعبير، تلك الأساليب ابتدعها الإنسان لإيصال فكرة ما، أوللتعبير عن مشاعر مختلفة بطرق لا تعتمد اللغة نطقاً، أو كتابة.
وإن ذهبنا أبعد من ئلك لوجدنا أن علاقة وثيقة تربط الفنين بعلم الرياضيات، فالنغمات والأصوات في الموسيقى تتبع قوانين رياضية معينة، حيث يمكن فهم، وتحليل الإيقاعات، والتراكيب الموسيقية باستخدام الرياضيات، “النسب والتواتر “، وهناك أيضا علاقة بين النغمات، والمقياس الموسيقي، والتسلسلات الرياضية ” سلاسل فورييه مثلًا” التي تستخدم كأداة تحليلية وتمثيلية لتفاعلات الأصوات والأنماط البصرية، كما ويستخدم العديد من الموسيقيين الرياضيات في تطوير نغماتهم وتراكيبهم الموسيقية.
ويمكن رؤية النسب، والتناسقات الرياضية أيضًا في الفن التشكيلي، إذ يستخدم الفنانون البعد الهندسي والتصويري في إنشاء تأثيرات بصرية وتجريدية، كمايتم تحليل اللوحات وقراءتها من خلال النسبة الذهبية في الرياضيات، وتعتمد بعض التقنيات الفنية على نظريات رياضية، وقواتين الهندسة الفراغية.
ومن أوائل من ناقش فكرة العلاقة بين الموسيقى والفن الفنان الروسي “واسيلي كاندينسكي”الذي عاش في بداية القرن العشرين، وكان يعتبر أحد مؤسسي التجريد في الفن التشكيلي، قدم كاندينسكي أعمالًا تشكيلية مستوحاة من الموسيقى، حيث ربط الألوان والأشكال بالنغمات والإيقاعات، ووصف أعماله بأنها “سيمفونيات بصرية”، ومن أقواله: “يمكن للفن التشكيلي أن يكون مثل السيمفونية، حيث يتم تنظيم العناصر المختلفة بشكل متناغم لإيصال رسالة معينة، أوإثارة تأثير معين”.
وقد عبر عن قناعته بأن الألوان والأشكال يمكن أن تحمل العواطف، والأفكار تمامًا مثل النغمات الموسيقية، إذ كان يستخدم الألوان، والأشكال لإنشاء “تحفة موسيقية بصرية”، على حد تعبيره، يعبر فيها عن التجربة البصرية بشكل يشبه تأثير الموسيقى على السمع.
ولعل لوحة ” المغنية” التي رسمها ١٩٠٣م ، و التي تميزت بخطوط عمودية ، وأفقية تشابه خطوط النوتة الموسيقية كثوب ترتديه المغنية، ومن ورائها عازف البيانو الذي يظهر بشكل قاتم كالظل في خلفية اللوحة، تصنف كتوثيق لمفهوم العلاقة المتبادلة بين الفن والموسيقى ، إذ يقول:
“كما تخلق الموسيقى أنماطًا وإيقاعات تعبر عن تدفق الحياة، يمكن للفن التشكيلي أن يوفر صورًا تعبر عن التوازن والجمال في الكون”.
وفي منعطف هام في حياة الفنان كاندينسكي، تخلى عن لقب وعمل برفيسور في الجامعة، ليمارس شغفه في الفن التشكيلي بسبب تأثير موسيقى فاغنر عليه، معبرًا عن ذلك بقوله:
“إن موسيقى فاغنر اجتاحتْني اجتياحًا عفويًّا، كان من العمق بحيث استطعت من خلالها أن أرى كلَّ الألوان المحببة إلى قلبي بعيون روحي الهائمة في أرجاء المكان، وأن أبصر خطوطها المتوحشة التي أوصلتْني إلى حافة الجنون، من خلال حركتها وقدرتها على رسم عدد من اللوحات أمام ناظريَّ”.
هناك العديد من الفنانين، الذين جمعوا بين الموسيقى، والفن في ابداعاتهم، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، نتطرق إلى ذكر الفنان “آنسيلم كيفر”، وهو فنان تشكيلي ألماني كان معروفاً بأعماله الفنية الضخمة، والمعقدة التي تستوحى من التاريخ، والأساطير، والشعر.
قام كيفر في عمله الذي أسماه (سقوط النجوم)، بدمج الصوت والفن التشكيلي بشكل مباشر، حيث استخدم تسجيلات صوتية لأصوات الموسيقى، والألحان المتقطعة كجزء من اللوحة الضخمة.
هناك أيضًا كريستيان ماركليه : وهو فنان معاصر أمريكي-سويسري معروف بتقنية المزج بين الفن التشكيلي والموسيقى، وقد دمج في عمله المعنون بالساعة آلاف اللقطات السينمائية التي تعبر عن الوقت، وجمعها بطريقة إبداعية لتشكيل ساعة ضخمة تعمل بالوقت الحقيقي. مستخدمًا التأثيرات الصوتية، والموسيقى لتعزيز تلك التجربة الفنية.
من جهة أخرى قدم الملحن الروسي “مودست موسورغسكي” أوبرا “لوهينغرين” استنادًا إلى لوحة “الراهب والعاشقة” للفنان الألماني” كاسبار دافيد فريدريش”، حيث نقل تأثيرات اللوحة المرئية إلى العمل الموسيقى المسموع.
تعكس هذه الأمثلة التفاعلات الإبداعية بين الفن التشكيلي والموسيقى، وكيف يمكن لكل منهما أن يؤثر في التجربة الفنية للآخر، ويثري الثقافة الفنية العالمية بصرياُ، وسمعياً.
حيث تبدو العلاقة بين الفن التشكيلي والموسيقى، و التأثير الإبداعي المتبادل الذي يغني التجربة الفنية للفرد، والمجتمع بشكل عام، ويسير بذائقة المتلقي الجمالية حثيثًا نحو إدراك أفضل لمعنى الجمال وحيثياته.
هولندا/ خرونيغن


+ There are no comments
Add yours