لبنان أمام خطرٍ كبير والحفاظ على استقراره يستحق التضحية

نمتار / د. ناصر زيدان

دفع لبنان ثمناً غالياً من جراء الحرب الخبيثة التي حصلت، ولم يكُن له فيها أي صلة، لولا مباشرةً أطراف داخلية مرتبطة بمحور خارجي أعمال مُساندة حربية من على أراضية بإتجاه المستوطنات الإسرائيلية، بما أطلق عليها حروب المساندة والإنتقام. وإسرائيل لا تحتاج لذريعة للقيام بالعدوان، وربما كانت تنتظر هذه الفرصة للإنقضاض على لبنان، وتدمير عدد من مُدنه وبلداته، وللتأسيس لوضعية جديدة تساعدها في تحقيق أهوائها الإنفلاشية، وهي تستهدف فرض أمر واقع يتناسب مع طموحات شرانية يعلنها صقور الحكومة اليمينية الحالية المُتطرفة، وهؤلاء لا يتورعون من إشهار خطط استيطانية جديدة، لا تستند الى أي حق.

قبل توقيع “اتفاقية الإطار” في 26 حزيران/يونيو 2026، كانت الأوضاع مأساوية وصعبة ومعقدة في لبنان، والبلد المنكوب تحمَّل ما لم يتحمل أي بلد آخر من تضحيات إنسانية ومادية، فالعدوان الإسرائيلي عليه تجاوز كل الحدود، بينما الجماعات المُسلحة غير الشرعية في الجنوب مارست استبداداً كبيراً، وأغفلت مصالح الشعب اللبناني لصالح آجندة خارجية لم تجلُب إلا الويلات، وهي تحتمي بالدولة وبالشرعية، ولكنها لا تساعد هذه الدولة على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفقاً لما جاء في اتفاق الطائف للعام 1989 وبموجب القرارات الدولية، لا سيما منها القرار 1701/2006. وإسرائيل تستغلّ هذه الاعمال لتدَّعي أنها تدافع عن نفسها، حتى وصل الأمر بغالبية من الشعب اللبناني لإعتبار ما يجري يُشبه حالة التخادُم، او تبادل المنافع بين أخصام خارجيين (إسرائيل وايران) على أرض لبنان لتحقيق مآرب خاصة بهما، واعتبار لبنان ساحة لتحقيق هذه الأهداف.

اتفاقية الإطار؛ صيغَت على عجل، وربما تحت وطأة العمليات العدوانية، والواضح أن الجانب اللبناني تعرَّض لضغوطات كبيرة للقبول بها، لطي صفحة تفاهم سويسرا بين المفاوضين الاميركيين والإيرانيين في 21/6/2026، لأن إعلان سويسرا أوحى بأن الملف اللبناني جزء من التفاهم، وايران اعتبرته انجازاً أوقف اطلاق النار في لبنان. وعلى الضفة الأخرى من المنازلة الكبرى بين فريقي الحرب؛ لا يُخفى أن الولايات المتحدة الأميركية استعجلت توقيع تفاهم ثنائي بين لبنان وإسرائيل، كتعويض عن التهميش الذي تعرَّض له الدور الإسرائيلي في مباحثات سويسرا. وكبار المسؤولين في بيروت الذين أشرفوا على مباحثات الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن، أدركوا أنهم تلقوا صفعة سياسية، وبعض مُندرجات التفاهُم لا تتطابق مع نواياهم الحسنة التي لا هدف لها إلا إنقاذ لبنان.

وتأييد بعض الأطراف العربية والدولية لإتفاق الإطار؛ كان مُتسرعاً ولو بحسنِ نية ايضاً، وهمَّ هؤلاء تخليص لبنان من ويلات العدوان الإسرائيلي ومن تباعات التدخلات الإيرانية في شؤونه. لكن واقع حال الاتفاق يُعبرُ عن شيء مختلف تماماً، والعبارات التي أُدرجت في بعض بنوده الأربعة عشر، لا تمت بصلة الى المقاصد السليمة، ويبدو أن المفاوض الإسرائيلي أدخلها بالضغط او بالتحايل للهروب من مسؤوليته عن الجرائم الشنيعة التي ارتكبها في لبنان، ولفرض أمر واقع ينفذ بواسطته من القواعد الآمرة للقانون الدولي، ولاسيما منها ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع احتلال أراضي دول ذات سيادة بالقوة، ويسمح بممارسة أعمال المقاومة المشروعة لتحرير الأراضي المحتلة.

أغفل الإطار ذكر اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949، وهي توضِّح مسؤولية الطرفين في الحفاظ على الاستقرار على جانبي الحدود المعترف بها دولياً، وليس مسؤولية جهة واحدة (لبنان) كما جاء في اتفاقية الإطار. كذلك تجاهل التفاهُم الجديد القرارات الدولية ذات الصلة وهي تُدين الانتهاكات الإسرائيلية، كذلك وضع آلية جديدة مشروطة بالتعامل مع سلاح القوى غير الشرعية وربطها بوجود الاحتلال الذي قد يطول، وتجاهل اتفاق الطائف الذي أشار الى عملية حلَّ الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك في الجنوب، وأناط بالدولة دون سواها مسؤولية الدفاع عن اللبنانيين وأمنهم وسلامة أراضيهم.

يمكن الإشارة الى أن التفاهُم، لم يصل الى حد اعتباره معاهدة، وهو لم يُعرض على مجلس الوزراء الذي يمثل السلطة التنفيذية في البلاد، ولم يُبرم وفق ما نصَّت عليه المادة 52 من الدستور اللبناني التي أعطت رئيس الجمهورية صلاحية تولّي المفاوضة لعقد المعاهدات بالتفاهم مع رئيس الحكومة، وهي لا تصبح مُبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، والمعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، تحتاج لمصادقة مجلس النواب (كما جاء في المادة ذاتها) والمادة 46 من اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية المُنشأة في 22 أيار/مايو 1969؛ أشارت الى عدم جواز تعارض أي اتفاقية بين الدول لقواعد آمرة في القانون الدولي، وخصوصاً ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة وفي اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، وفي الوثيقتين نصّ واضح يمنع فرض أي الزامية قانونية خارجية من قبل طرف محتل لأراضي دولة أخرى على سلطات هذه الدولة. ونحن هنا في حالة احتلال اسرائيلي موصوف لأراضي لبنانية.

يمكن لاتفاقية الإطار أن تُعدَّل انطلاقاً من النوايا الحسنة لمسؤولي الحكومة اللبناني وللوسيط، او يمكن إدراج ملحق يوضِّح الاختلالات التي وردت في جولة المفاوضات القادمة في روما.

بيروت

2026/7/14

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours