هذي دمشق.. حين يتحول الحب إلى هوية

نمتار / أكرم توفيق

قال الشاعر الكبير نزار قباني :

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والراحُ

إنّي أحبُّ… وبعضُ الحبِّ ذبّاحُ.

ليس هذا البيت مجرد افتتاحية شعرية آسرة  بل هو إعلان انتماء وجداني لمدينة حملها الشاعر في قلبه كما يحمل الإنسان وطنه الأول.

فدمشق عند نزار ليست مدينة من حجر  بل ذاكرة وأم  وحبيبة  وتاريخ يمتد في الروح قبل الجغرافيا.

حين يقول. (هذي دمشق) فهو يشير إليها بفخر واعتزاز  كأنها الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان.

ثم يضيف (وهذي الكأس والراح ) ليصنع فضاء شعريا يحتفي بالجمال والنشوة  لا بوصفها دعوة إلى المتعة بقدر ما هي رمز لحالة وجدانية يتجاوز فيها الإنسان حدود الواقع إلى رحابة الإحساس.

أما الشطر الثاني (إني أحب وبعض الحب ذباح) فهو من أكثر أبيات الشعر العربي تداولا  لأنه يختزل حقيقة إنسانية خالدة  فالحب ليس دائما فرحا بل قد يكون ألما وحنينا وافتقادا وتضحية.

إنه قوة تمنح الحياة معناها  لكنها قد تجرح صاحبها بقدر ما تمنحه السعادة.

وقد أراد نزار قباني أن يقول إن من يحب بصدق لا بد أن يدفع ثمن هذا الحب سواء كان حب امرأة  أو وطن  أو مدينة أو فكرة. فالمحبة العميقة تجعل الإنسان أكثر حساسية  وأكثر عرضة للوجع  لكنها في الوقت نفسه تجعله أكثر إنسانية.

إن خلود هذا البيت لا يعود إلى موسيقاه الجميلة فحسب  بل إلى صدقه وقدرته على التعبير عن تجربة يعيشها كل إنسان.

لذلك بقي يتردد على الألسن جيلا بعد جيل  شاهدا على أن الشعر العظيم هو ما يلامس القلب قبل أن يبهر العقل.

وهكذا  جمع نزار قباني في بيتين فقط بين عشق دمشق  وسحر الشعر وفلسفة الحب  ليترك لنا نصا سيظل حيا ما بقي في الإنسان قلب يعرف معنى أن يحب وأن يتألم.

‎النص الكامل للقصيدة:

‎هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ

‎إنّي أحبُّ.. وبعضُ الحبِّ ذبّاحُ

‎أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي

‎لسالَ منهُ عناقيدٌ.. وتفّاحُ

‎ولو فتحتم شراييني بمديتكم

‎سمعتم في دمي أصواتَ من راحوا

‎زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا

‎وما لقلبي – إذا أحببتُ – جراحُ

‎مآذنُ الشّامِ تبكي إذ تعانقني

‎وللمآذنِ.. كالأشجارِ.. أرواحُ

‎للياسمينِ حقوقٌ في منازلنا

‎وقطَّةُ البيتِ تغفو حيث ترتاحُ

‎طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنا

‎فكيف أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فواحُ

‎هذا مكانُ “أبي المعتز” منتظرٌ

‎ووجهُ “فائزةٍ” حلوٌ.. ولماحُ

‎هنا جذوري.. هنا قلبي.. هنا لغتي

‎فكيف أوضح؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟

‎كم من دمشقيةٍ باعـت أساورها

‎حتى أغازلها.. والشعـرُ مفتاحُ

‎أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ معتذراً

‎فهل تسامحُ هيفاءٌ.. ووضاحُ؟

‎خمسون عاماً.. وأجزائي مبعثرةٌ

‎فوق المحيطِ.. وما في الأفقِ مصباحُ

‎تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـافَ لها

‎وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاحُ

‎أقاتلُ القبحَ في شعري وفي أدبي

‎حتى يفتـحَ نوّارٌ.. وقـدّاحُ

‎ما للعروبـةِ تبدو مثلَ أرملةٍ؟

‎أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟

‎والشعرُ.. ماذا سيبقى من أصالتِهِ؟

‎إذا تولاهُ نصابٌ.. ومـداحُ؟

‎وكيف نكتبُ والأقفالُ في فمنا؟

‎وكلَّ ثانيـةٍ يأتيـك سفاحُ؟

‎حملتُ شعري على ظهري فأتعبني

‎ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours