بلاغة العجز أمام الجمال…قراءة في قصيدة الشاعر حسن عبد الحميد” فاء.. فارزة”.

نمتار  / اكرم توفيق

تقوم هذه القصيدة على خطاب وجداني رقيق  يتخذ من المرأة محورا جماليا لا بوصفها شخصا فحسب  بل بوصفها حالة شعرية تتجاوز الوصف المباشر إلى فضاء الرمز والإيحاء. والنص لا يسعى إلى رسم ملامح المحبوبة بقدر ما يحاول الإمساك بأثرها في روح الشاعر ولهذا جاءت النهاية مفتوحة وكأن اللغة نفسها تعجز عن استيعاب فيض المشاعر.

منذ العنوان (إلى/ فاء.. بكامل هندام اسمها) يختار الشاعر مدخلا غير مألوف  فهو لا يصرح بالاسم  بل يكتفي بحرفه الأول فيمنح الشخصية بعدا رمزيا ويثير فضول القارئ. كما أن عبارة (بكامل هندام اسمها) توحي بأن الاسم ذاته متأنق يحمل زينته الخاصة قبل أن تحملها صاحبته.

في المطلع:

انحناءة موجة

على هدي مشيتها

تغني النوارس

ويصدح دجلة

يستثمر الشاعر عناصر الطبيعة ليخلق تناغما بين حركة المرأة وإيقاع الكون. فالموج والنوارس ودجلة ليست مجرد خلفية للمشهد  بل تتحول إلى كائنات تتفاعل مع حضورها  وهو تشخيص جميل يمنح الصورة حيوية وانسيابا.

ثم ينتقل إلى حوار داخلي مع الذات:

أتراك قد بالغت بالوصف

أم خانك التعبير؟!

وهنا يبرز الوعي الشعري فالشاعر لا يكتفي بالوصف  بل يشكك في قدرة اللغة على الوفاء بجمال الموصوفة. وهذه من السمات التي تمنح النص صدقه  لأن الاعتراف بعجز اللغة أبلغ أحيانا من المبالغة في البيان.

وتبلغ الصور ذروتها في قوله:

امرأة بلون الندى

بوهج النار

وسحر اللهب

إذ يجمع بين عناصر تبدو متناقضة  فالندى رمز الرقة والصفاء  بينما النار واللهب رمزان للشغف والقوة. هذا التضاد يمنح الشخصية أبعادا مركبة  فهي الحنان والفتنة السكون والاشتعال في آن واحد.

وفي المقطع الثالث يتراجع الوصف الخارجي لصالح التأمل:

ساعة يكون الصوت

أبلغ من بلاغة صمت؟!

وهي مفارقة بلاغية جميلة  إذ يقيم الشاعر مقارنة بين قوتين تعبيريّتين.. الكلام والصمت ويترك السؤال معلقا دون جواب  ليمنح القارئ فرصة المشاركة في إنتاج المعنى.

أما الخاتمة:

إنك لم تقل -بعد- ما عزمت أن تقول !!!

ربما.. نعم

ربما.. لا

فهي من أجمل مقاطع النص لأنها تعلن أن القصيدة ليست نهاية القول  بل بداية عجز جديد أمام الجمال. إنها خاتمة تؤكد أن الشعر الحقيقي لا يدّعي اكتمال المعنى  وإنما يتركه مفتوحا على احتمالات التأويل.

فنيا  يمتاز النص بلغة شفافة وصور شعرية رقيقة  وإيقاع داخلي هادئ نابع من تكرار الأسئلة والوقفات والتقطيع البصري. كما أن حضور الطبيعة والرموز المائية والنارية أسهم في بناء مشهد شعري متوازن بين العذوبة والاشتعال.

أبدًا (هي) بلمع الدمع

في عينيها أرقُّ وأنقى

ما تكون … ))

فهنا يستثمر الشاعر لمع الدمع بوصفه علامة شفافة على رهافة الإحساس ونقاء الروح وليس رمزا للحزن فقط. إن الدمع في عينيها يتحول إلى قيمة جمالية  فيمنح الشخصية بعدا إنسانيا عميقا  ويجعل الرقة والنقاء يتجليان من خلال نظرتها قبل أي وصف آخر.

في المجمل  ينجح الشاعر حسن عبد الحميد في تقديم قصيدة وجدانية تعتمد الإيحاء أكثر من التصريح  وتؤكد أن الجمال الحقيقي لا يُستنفد بالوصف  بل يظل دائما أكبر من اللغة  وهو ما جعل خاتمتها منسجمة تماما مع رؤيتها الشعرية  فبقي القول معلقا وبقيت القصيدة مفتوحة على دهشة القارئ.

نص القصيدة :

——-

فاء..فارزة

الاهداء ..الى/فاء..بكامل هندام تسمها

لي..و لها ..ومنها

انحناءة موجة

على هدي مشيتها

تغني النوارس

ويصدح.. دجلة

+++

أتراك ..قد بالغت

بالوصف

أم خانك التعبير ؟!!

أبدا “هي” بلمع الدمع

في عينيها أرق وأنقى

ما تكون..

أمرأة بلون الندى

بوهج النار

وسحر اللهب

تعيد رسم الحياة

تسقي  الحلم

بماء الذهب

+++

أما زلت تتهجى

حروف لوعتها

وتختار ما تشاء

من شذرات مباهجها

ما يلأئم هدوء ضحكتها

ورنين صوتها

ساعة يكون الصوت

أبلغ من بلاغة ..صمت؟!!

+++

ما أراد ان يقوله النص

في مسك ختامه

انك لم تقل-بعد- ما عزمت ان تقول !!!

ربما..نعم

..!!!!  ربما..لا

ح.ع.الحميد

تموز/ 2026

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours