المرأة الشاعرة… عن كتاب “نبوة نبض”

نمتار / د. ناصر زيدان

كتابٌ جميلٌ ذوّ قيمةٍ شعرية عالية؛ ثلاثُ كلماتٍ وبنقطةِ حبرٍ واحدة على قصاصةِ ورق؛ كانت تكفي للشهادة ب “نبوءة نبض” للدكتورة ربى نصر. لكن الغوُصَ في أعماقِ سطورهِ المشطورة، يستثيرُك، يخدُش عاطفتك المُتعبة، ويلذعُ حنينيكَ القابع على مشارفِ النشاف. لا تستطيعُ تجاهلَ المناسبة وفيها جمعة جحا الخيالِ وأهلِ بيتهِ المُتألقين من المتحدثين والمدعوين. وفي الكتابِ كفٌّ خفيٌ، يصفعكَ على خدِك الأيمن الشحوّب، فتُديرُ له خدك الأيس فوراً ومن دون أي تردُّد. فالكفُّ الشريرُ الذي يستولِدُ الألم، هو ذاته الذي ينكش في الذاكرة، ويدفع نبض الخير والجمال والحُب للحراك بعد سباتٍ عميق هرب اليه خوفاً من الغدر والأذية والعدوان.

أيتها المُتألقة المجنونة: كيف لكِ أن تطرقي أبواباً كنا نعتقدُ أنها موصدةٌ أمام النساء، وتحجبها عنهنَّ خطوطُ دفاعٍ بنتها التقاليد والعادات والمشاعر من عرق الضحايا وبتعب الطيبين، وبغالبيتها مُشادةٌ من دون ترخيصٍ، أو بدون وجه حق. بالله عليكِ قولي لنا كيف جاءتكِ هذه النبوءة المجازية، لتلِجي مساحاتٍ كان يصعُبُ الوصولُ اليها من دون عِراك. ألم تخافي من شَهرِ الحقيقة وهي: أن الحُبَ هو الحياة، والحُبُ هو الصُدق، والحُبُ هو الإنسانية، والحُبُ هو قيمةُ القيم، وقد يكون الحُب هو سرُّ الله العظيم. جمعتي نثريات وقصائد بكلمات جميلة، وبأحاسيس رقيقة مرهفة، شكَّلت لوحاتً أخاذة بزهورٍ كثيرة، أفاضت رائحةً عَطِرة، أنعشت القلب واللسان، وبدت بساتين جميلة فيها باقات ورودٍ من كل الأنواع. وعلى ضفافِ هذا المشهد المشهود؛ تقولين أنكِ بقيتي وحيدة في صحراء الروح، تهرولين بين الرمال والخيبات. يا لها من مفارقة غريبة لم يسبقُكِ اليها حتى مَن أعارَ دفهِ في يومِ زفهِ، فالياسمينةُ الباسقةُ التي تستثيرُ العاطفةَ والحُب، هي ذاتها التي تُوقِدُ نار الشوق. وفي الكتاب ذاته تلتقي الدمعةُ والبسمةُ في مشهدٍ واحد، ويتساكنُ الحزنُ والفرحُ تحت سقفٍ واحد. والحُبُ هو ذاتهُ نعمةً للقلب ومحنةً له (وأقتبس ما جاء في الصفحة 33: يا نعمةً في القلبِ منكِ مدامعي).

يا امرأةً “بعطف نجمتين” كما تقولين في الصفحة 117. طلبتي مني التحدُّث عن الكتاب، وأمام جمهورٍ من النُخب بخمسةِ نجوم، فكيف لي أن أكتب عن مُبدعة وأمام مُبدعين؟ وهم أغروا القلم واللسان، وأغووا القلب وصاغوا البيان، وأنا مفتونٌ بالتيهِ وبلا عنوان، سجينٌ في حبس شؤون السياسة وشجونها منذ خمسين عام، مُكبلٌ بأصفادِ الحذرِ والخشية من فمي حتى أخمص قدماي، بالكاد تخرجُ مني كلمة، وبالكاد تخرجُ مني دمعة. وإذا ما اقترب الحُب مني هربتُ منه، لأنني أخشى أن يحدثني بالسياسة او أن يوسطني بمظلُمة. وتأخرتُ لأدركَ؛ أن الحُبَ صدقٌ وصفاءٌ وهو أعمى يرى، ولا يقبلُ أيُ زغلٍ او واسطة.

قلَّبتُ صفحاتِ الكتاب، شعرتُ كأنني أمشي في بريةٍ جميلة ساحرة، أكثر مما شعرتُ أنني أقرأ سطوراً إضافية مكتوبة، كان مثلها قد أكل زمني. أثارت كلماتُ الكتابِ مشاعري وأنا على مشارف الكهولة، وأدركت أن العاطفةَ لا تشيخُ مع العمر، والحبُ معه ينموا ليطال مسافات أعلى، وأنه ليس مجرَّدَ شغفٍ بالحبيب، بل إدراك لمعاني الحياة الدنيا ومفاصلُها كافة، ففي العمل حُب وفي السياسة حُب وهو يعيش بين الأزقة وعلى الأرصفة وفي كلِ مكان. هو عالمٌ آخر، ليس فيه رصاص، وليس فيه مدافع ومسيراتٌ قاتلة، ومؤامراته مشروعة على سُنَّةِ الله. هو كوكبٌ مختلف، يُشبه كوكب العصافير، حيتُ أنت تملك كُل ما ترى، وتذهب الى حيث ينتشرُ الهواء، وتحصد من كلِ ما زرعه الله.

نثرياتُ وقصائدُ ربى روت ظمأ حديقة عانت من الشحِّ طويلاً، واخترق محرابها تربةٌ قاسية، حتى وصل الى الثرى في الأعماق. وقد يكون أهم ما فيها؛ أنها فتحت الطريق أمام مزيد العطاء للشاعرة، وكسرت حاجز الفصل الجندري المقيت الذي منع النساء المُبدعاتِ من الفيض بما عِندهنَّ من مواهبٍ وقُدراتٍ وشجاعة، فالمرأةُ التي تُعبِر عن ذاتها، وتكشفُ جهاراً عما تُفكرُ به؛ هي المرأة الحصينة… هي المرأةُ الصادقة… هي المرأةُ الجريئة، بينما بعض اللواتي يتمايلنّ خلف شاشة الستارة الرقيقة، يكشفنَ عن معالم الجسد ويخفينّ عظمة الروح، فاللطيف يسبقُ الكثيف، وهو الذي يحميه ويُحصنهُ.

أما في سياق النقد – او التشاطُر – الذي يستسيغه أساتذة الجامعة؛ فقد بدا لي أن الكتاب كان منحازاً حتى الثمالة للحبيب، وبخُلَ على الحبيبة، ومن حق الحبيبة أن تغار عند قراءته، إلا إذا قررت الدكتورة ربى أن تضعَ كسرةً مكان الفتحة تحت آخرِ حرفٍ على عدد من الكلمات، لتطييب خاطر النساء، وعندها تصبحُ كلمة أحبُكَ؛ أُُحبكِ، وتُشير في الهوامش الى أن المقصود بالحبيب ليس الرجل فقط، بل أنها كلمة خارجة عن الإسطفاف الجندري؛ كما القمر. أما هفوة تكرار نشر قصيدة “دعنا نتبادل الشعور” في الصفحة 120 وفي الصفحة 175؛ فكان خطأً جميلاً، لأن القصيدةَ مستوحاةٌ اقتباساً من شعر أبو الطيب المتنبي، ولا يزعجنا تكرارها ولو ألف مرَّة. أما توضيحكي في الصفحة 150 بالقول: (لا تسألوني عن أصلي فأنا امرأةٌ عربية) فالعبارة من أجمل ما قرأت، ولكنها لم تكُن ضرورية، لأن مَن مثلكِ لا يحتاج الى تعريف، فأنتِ أبنة أصول في الزمان والمكان والعنوان، وفي المكانة وفي الرزانة وفي البيان.

بيروت

27 حزيران

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours