نمتار / د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*
ليست كلّ الأغاني التي نحبّها تُغنّى للفرح،وبعض الأصوات لا تأتي لتُرضينا، بل لتكشف عن ما نخشاه. لتكشف الحقائق وتعلنها بصراحة تامة ، وبعضها عندما نلجأ اليها لتكون ملاذاّ لنا.
بغداد والشعراء والصورُ
ذهب الزمان ومجده العطرُ .
حين غنّت فيروز هذه الكلمات من تأليف والحان عاصي الرحباني لم تكن تمدح، ولم تكن تشكو،بل كانت تقول ما يعرفه البعض ويصمتون عنه ،وما لا يعرفه البعض .
بيني وبينك ليس من عتبٍ
حجّيت تنكرني وتعتذرُ.
أن نحبّ أحيانًا في الخفاء،وأن ننكر ما في قلوبنا حذرًا،ثم نطلب الصفح كأنّ الاعتذار يكفي،هذه الكلمات ليست أغنية فقط،بل مرآة لعلاقة الإنسان بما يخاف أن يعترف به.في هذا النص لا نسمع صوت العاشق وحده،بل صوت المدينة، والوطن، والذاكرة، عتاب بلا ضجيج، ومحبّة بلا ادّعاء.
هنا هي لا تسأل: لماذا أنكرْتني؟بل تقول: أنا أفهم خوفك،غير أن الفهم لا يلغي الألم
وهنا تكمن قوة الكلمات،حيث يصبح الصمت اعترافًا،والحذر طريقًا موجعًا لا يُقال
فيروز لا تعاتب من لا يحبّها، بل تعاتب من أحبّها وخاف ، وهذا فرق جوهري لم يلتفت إليه كثيرون
العتاب هنا ليس انفعالًا، بل وعيًا أخلاقيًا:
أعرف مدى محبتك… لكن إنكارك يؤلمني جداً،وما اروع ذلك ؟
هنا تتجاوز الأغنية حدود العاطفة الفردية،لتصبح خطابًا لمدينة،لوطن وأهل ،
لذاكرة جماعية أحبّها كثيرون في السر،وتردّدوا في إعلان الانتماء إليها، لهذا تعيش بعض الأغاني طويلًا،ليس لأنها جميلة فقط،بل لأنها صادقة،ولأنها قالت ما لم يجرؤ الآخرون على قوله.
انها الاغنية عندما تكون خطاباً للوطن مازالت بعض الاغاني تعيدنا الى الوطن
الى الذاكرة والى الاسئلة الاولى ،لان الاغنية في جوهرها ليست ترفاً ولا تسلية عابرة بل فعل ثقافي ومرآة لوعي المجتمع..
بغداد حبيبتي
احبك في سرّي وفي علني
*أكاديمي عراقي شاعر واديب
لاس ڤيگاس




+ There are no comments
Add yours