لماذا نقرأ كروزويل وننسى علاء الحمامي؟ ….سيد الأجيال القادمة، قراءة في نبوءة عراقية سبقت زمانها!!

 

نمتار / لندن / تحسين الشيخلي

في كل مرة يدور فيها الحديث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، وعن اللحظة التي ستصبح فيها الأنظمة الذكية أكثر تأثير في حياة البشر من أي تقنية سبقتها، تتردد أسماء محددة على نحو يكاد يكون تلقائي. نستحضر راي كروزويل ونظريته عن التفرد التكنولوجي، ونيك بوستروم وتحذيراته من الذكاء الفائق، وفيرنور فينج وهانس مورافيك وغيرهم من منظري المستقبل. نقرأ كتبهم ونقتبس أفكارهم ونستشهد بتوقعاتهم بوصفها مراجع أساسية لفهم ما ينتظر الإنسانية في العقود القادمة. وهذا أمر طبيعي، فهؤلاء قدموا إسهامات مهمة في مجال الدراسات المستقبلية واستشراف تطور الحوسبة والذكاء الاصطناعي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا هو.

هل كان هؤلاء وحدهم من تحدثوا مبكرًا عن هذا المستقبل؟ وهل خلت بيئتنا العلمية العربية والعراقية من علماء امتلكوا الرؤية ذاتها والقدرة نفسها على استشراف ما سيأتي؟

إن هذا السؤال لا يتعلق بمجرد المقارنة بين أسماء وأسماء، بل يتعلق بظاهرة ثقافية ومعرفية أوسع. فنحن كثيرا ما نبحث عن الأفكار في أماكن بعيدة بينما نهمل ما أنتجه علماؤنا ومفكرونا. نحتفي بالنبوءات القادمة من الخارج، لكننا بالنادر ما نلتفت إلى الكتب والدراسات التي كتبها أساتذتنا الذين عاشوا بيننا ودرسونا وأسهموا في بناء المؤسسات العلمية التي ما زلنا نعتمد عليها حتى اليوم.

ومن الأمثلة التي تستحق التوقف عندها كتاب (سيد الأجيال القادمة) الذي نشره البروفيسور الدكتور علاء حسين الحمامي عام 2010. ففي وقت لم يكن الذكاء الاصطناعي قد أصبح بعد قضية يومية تشغل العالم، ولم تكن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد ظهرت إلى الوجود، كان هذا الكتاب يطرح رؤية استشرافية حول مستقبل الحوسبة والأنظمة الذكية ودورها في تشكيل الأجيال القادمة. واليوم، بعد مرور أكثر من عقد ونصف على صدور الكتاب، تبدو العديد من الأسئلة التي طرحها أكثر راهنية من أي وقت مضى.

وليس الحديث هنا عن أسبقية زمنية بقدر ما هو دعوة إلى إعادة قراءة ما كتبه علماؤنا بعين جديدة. فالقيمة الحقيقية لأي فكرة لا تتحدد بمكان صدورها أو باللغة التي كتبت بها، وإنما بقدرتها على تفسير الواقع واستشراف المستقبل. ولو أن الكتاب صدر في جامعة أمريكية أو بريطانية وربط اسمه بأحد مشاهير الدراسات المستقبلية لربما وجد طريقه إلى العديد من الدراسات والمناقشات. لكن لأن صاحبه عالم عراقي، ولأن الكتاب كتب ضمن سياق أكاديمي محلي، فقد بقي بعيد عن دائرة الضوء التي يستحقها.

والحديث عن الدكتور علاء الحمامي يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن جيل كامل من العلماء الذين أسسوا علوم الحوسبة الحديثة في العراق. وفي مقدمة هؤلاء البروفيسور الدكتور هلال محمد يوسف، رفيق الدرب وزميل المسيرة العلمية. فقد أسهم العالمان معا في إعداد أجيال متعاقبة من الباحثين والخبراء، ووضعا اللبنات الأولى للعديد من المناهج العلمية المتقدمة في مجال الحوسبة والهندسة. وتشير الوقائع الأكاديمية إلى أن عدد كبير من حملة الدكتوراه والأساتذة العاملين اليوم في الجامعات العراقية هم إما من تلامذتهم المباشرين أو ممن مروا عبر إشرافهم العلمي أو مناقشاتهم الأكاديمية أو تأثروا بالمناهج التي ساهموا في تأسيسها.

لقد كانت أجيال كاملة تدخل قاعات الدرس لتتعلم علوم الحاسوب على أيدي هؤلاء الرواد، بينما كانت الجامعات العراقية تبني أقسامها العلمية بالاعتماد على خبراتهم ورؤيتهم. ومع ذلك، فإن العديد من خريجي هذه المؤسسات يعرفون اليوم تفاصيل أفكار كروزويل أكثر مما يعرفون ما كتبه أساتذتهم الذين أسهموا في تشكيل مسيرتهم العلمية نفسها.

هذه المفارقة تدفعنا إلى التساؤل، لماذا نميل دوما إلى استيراد المعرفة حتى عندما تكون موجودة لدينا؟ ولماذا نعتقد في بعض الاحيان أن الفكرة تكتسب قيمتها من مكان صدورها لا من مضمونها؟ إن جزء من المشكلة يعود إلى ضعف ثقافة التوثيق العلمي المحلي. فنحن لا نملك تقاليد راسخة للاحتفاء بتاريخنا العلمي المعاصر، ولا نخصص ما يكفي من الجهد لدراسة تطور الفكر العلمي في جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية. ولهذا السبب نجد أنفسنا نحفظ أسماء منظري التكنولوجيا في العالم بينما نجهل أسماء من أسسوا التخصصات نفسها في أوطاننا.

ولا يقتصر الأمر على مجال الذكاء الاصطناعي. فهناك عشرات وربما مئات الكتب والدراسات التي كتبها علماء عرب وعراقيون خلال العقود الماضية وتضمنت رؤى استشرافية وتحليلات عميقة حول مستقبل التكنولوجيا والمجتمع والمعرفة. لكن هذه الأعمال بقيت محصورة داخل المكتبات الجامعية أو الأوساط الأكاديمية الضيقة، ولم تتحول إلى جزء من الوعي الثقافي العام.

لقد كان لي شرف معرفة البروفيسور الدكتور علاء الحمامي والبروفيسور الدكتور هلال محمد يوسف والعمل معهما ومرافقتهما فكريا وأكاديميا وحتى على صعيد العلاقات الاجتماعية الشخصية لعقود طويلة. وخلال هذه السنوات لم أتعرف فقط على عالمين متميزين في اختصاصهما، بل على نموذجين نادرين للأستاذ الجامعي الذي يجمع بين المعرفة العميقة والتواضع العلمي والإيمان بأهمية بناء الأجيال. وربما لهذا السبب أشعر اليوم أن من الواجب التذكير بإسهاماتهما وإسهامات جيل كامل من العلماء الذين صنعوا البنية العلمية للحوسبة في العراق قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنوان العصر.

إن الأمم الحية لا تكتفي بقراءة الآخرين، بل تعيد اكتشاف مفكريها وعلمائها باستمرار. ولا يمكن لأي مجتمع أن يبني ثقة حقيقية بقدراته العلمية إذا ظل ينظر إلى المعرفة بوصفها شيء يأتيه دائما من الخارج. فكما نقرأ كروزويل وبوستروم لفهم المستقبل، ينبغي أن نقرأ الحمامي ويوسف وغيرهما من رواد الحوسبة العراقيين لنفهم كيف كان علماؤنا ينظرون إلى المستقبل أيضًا.

وربما تكون المشكلة الحقيقية ليست في أن علماءنا لم يتنبؤوا بما يحدث اليوم، بل في أننا لم نكلف أنفسنا عناء العودة إلى ما كتبوه. لقد كانوا موجودين بيننا، يدرسون ويؤلفون ويشرفون على الأبحاث ويبنون المؤسسات العلمية، لكننا انشغلنا بالنظر إلى الأفق البعيد حتى نسينا أن تحت أقدامنا تراث علمي يستحق أن يقرأ من جديد. واليوم، ونحن نعيش لحظة التحول الكبرى التي يقودها الذكاء الاصطناعي، ربما حان الوقت لكي نعيد فتح تلك الكتب، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل لنبحث عن أفكار ما زالت قادرة على محاورة المستقبل.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours