نمتار / برهان المفتي
نحن شهود تاريخيون على تحول اللغة من الصوت إلى الصورة. كثرة الإعلانات الصورية في الشوارع- في مناسبات مهمة- هي مؤشرات على هذا التحول، ودليل على أن الصورة واللون أسرع وصولاً وأطول بقاءً من اللغة والصوت، كما أنها أكثر صحية من الصراخ المزعج، بخاصة في مهرجان للشعارات،حين يتلوث الهواء بالشعارات بأكثر مما يلوثه غاز الميثان.. ونتحفظ على مصدر غاز الميثان في مثل هذه التجمعات.
وهناك دلائل وإشارات أخرى أن اللون والصورة أقوى مفعولاً من اللغة الصوتية، فنحن نتغزل بما نرى من جمال النساء، ولا يجذبنا ما يتحدثن، به حتى لو كان الحديث عن أسرار خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أو سر الدولمة اللاچعة، فتلك الأمور لا تجذبنا بقدر جاذبية تضاريس تجبرنا أن تكون خطواتنا خلفها، ثم تظل تلك اللحظة في الذاكرة عمراً، وربما حسرة سرية لمصلحة الأمن الأسري، كلما جلسنا مع مَن صارت من قسمتنا ونتشارك معها الحياة وشاي العصر.
اللغة فشلت في نقل كل شيء بأمانة، بينما العين لا تكذب، وهي أمينة بما ترى، لذلك ستموت اللغات الصوتية، أو تذوب في لغة عالمية مشتركة أدواتها الرسوم والإيموجي، وقد أنتبه لذلك الإعلام المرئي، إذ توجه الى استخدام أنفوجرافيك في نشراتها بدلاً من ظهور مذيع أو مذيعة، وذلك لإيصال المعلومة والخبر، لأن مع ظهور المذيعة تضيع مؤشرات أي خبر، فالمشاهدون مشغولون بالمذيعة أكثر من الخبر، والمشاهدات يفتحن جلسة علنية عن خطأ الكوافير في التسريحة، وقلة ذوق المذيعة في اختيار الملابس، كل ذلك في محاولات لعدم سماع زفير حار من زوجها، الذي يمسح نظارته مرات ومرات، لوضوح الرؤية الشرعية، فالشاشة حاجز شرعي.
أما مع المذيع، فنحن الرجال تسرع أصابعنا إلى ريموت كونترول لتغيير القناة، أو فتح يوتيوب على شيء يبقى في الذاكرة، وكنصيحة مجرب.. حاولوا مشاهدة حفلات شاكيرا، أما النساء من المشاهدات، فلهن أساليبهن في عدم الاستماع، منها ترديد مقطع أغنية “هالعادة بيكم ليش كسر الخواطر”.
اللغة المسموعة ستسقط بالقاضية، هي الآن في مرحلة فقدان التوازن، وذلك واضح حين لا يجر حرف الجر حتى لو كان قطاراً، وربما بمحاولتنا لفرض الجر، سنخرجه من السكة، وذلك ما لا نريده لسلامة الجميع.




+ There are no comments
Add yours