رؤية جديدة أم وجوه جديدة؟ رواندا نموذج على الهامش

نمتار / محمد صالح البدراني

مفهوم “تجديد الدماء” في السياسة والإدارة والأعمال ليس تعبيرًا بيولوجيًا، وإنما تعبير عن الرؤية والمنهج، وهنا تكمن سطحية الخلط بين “التجديد” وبين “الاستبدال البيولوجي”.

الدول الناجحة لا تنتج القيادات بالمصادفة ولا عبر التوافقات، بل عبر مراكز دراسات، ومدارس حكم، وبرامج تأهيل طويلة، واحتكاك تدريجي بمستويات القرار، فالقيادة ليست موهبة خام فقط، وإنّما بناء معرفي ونفسي معقّد، وحتى الشخص الذكي أو الكاريزما -بغض النظر عن عمره-الزمني قد يتحول إلى كارثة إذا وُضع في موقع سلطة قبل أن يفهم طبيعة المؤسسات وآثار القرارات الكبرى.

في بيئة العمل والإدارة، تجديد الدم هو تغيير المنهج وليس تغيير المدير وإبقاء المنهج والأدوات وأسلوب الاختيار لقيادات المؤسسة، لان هذا لن يتجاوز القديم الذي لم ينجح، أزمة الرؤية وليس من يقود هي المشكلة.

الخطير أن الإنسان قليل الخبرة –مسن أو شاب-قد يظن أن كل المشكلات قابلة للحل بالشعارات أو الإرادة أو “النية الحسنة”، لذلك تميل بعض القيادات الشابة وغير الشابة إلى الخطاب الحاد، أو الوعود المثالية، أو القرارات الانفعالية، فالتجربة الطويلة تجعل الإنسان أكثر إدراكًا للعواقب، وأكثر فهمًا لطبيعة البشر والمؤسسات، ولهذا نجد أن كثيرًا من الثورات أو الحركات السياسية التي اندفعت بعاطفة خالصة انتهت إما إلى الفوضى أو إلى إنتاج استبداد جديد بصورة مختلفة,

قيادات شابة

لطالما رأينا كباراَ في السن وتفكيرهم متجدد نهضوي جمع الخبرة والحكمة فصاغ من الواقع تحفة عصرية متطورة من بلاد كانت غريقة متخلفة، بل هم حول العالم يبدعون، ورأينا شباباً كذلك فعلوا، وكانوا وسيلة إنقاذ لكن عندما استبدّت فقدت قوى النهضة فاعليتها، من أجل هذا علينا أدراك أن التجديد والدماء الجديدة تعني تغيير التخلف كمنهجٍ ورؤية وأدوات، فهنالك شباب لكن أدمغتهم وكر خفاش، ينصحه ابن الثمانين المستنير أن ينوّر تفكيره المظلم فحياة طويلة بهذا الظلام ثقيلة وما ينتجه فكر شباب كهذا يجعل الحياة مملة مستحيلة.

عندما تمر طويلة من الصراعات والانقسامات، كما حصل في رواندا يصبح الحديث عن “التجديد” ضرورة وطنية لا مجرد شعار إعلامي، هكذا حصل في دول الأزمات ورواندا أضحت الآن تشق طريقها في التطور والرفاهية لكن السؤال الأهم ليس الحاجة لوجوه جديدة، بل لرؤية جديدة.

فساد مُشاع

الفساد اذا بات مألوفاً في الإعلام، وهذا يأتي من فقدان الرؤية وتشتت فاعلية القيادات، وانكفاءُ النخبة المثقفة والعلماء عن الواجهةِ والدور الريادي لأنهم ببساطة أناس ليسوا مرغوبين وليس لهم القدرة على الصراعات في هكذا ظرف، فالبناة هم اقلّ الناس قدرة على فرض أنفسهم لأن معاركهم ضد التخلف والجهل والفقر وهم مسالمون، ومجالهم سياتي عندما ترفع أسباب التخلف ويحل الانتماء والتضحية في سبيل نهضتهم، القيادة الحقيقية ليست مسألة عمر، بل مسألة نضج رؤية، وخبرة، وقدرة على فهم تعقيدات المجتمع والدولة في آن واحد، وهذه لا علاقة لها بسن الإنسان.

أي بلد في المأساة لا يحتمل تجارب انفعالية أو انتقالات قائمة على الحماس وحده، خصوصا في مجتمع مركّب تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا، لذلك فإن أي مشروع إصلاح حقيقي يحتاج إلى عقل دولة، لا إلى ردود أفعال مؤقتة أو شعارات سريعة الاستهلاك أو الاستمرار بالتقسيمات التي تضعف تشكيل الأمة.

رواندا المثل الصارخ الذي حقق بناء مشروعا وطنيا جامعا يقوم على رؤية وبرنامج بناء بمنظومات فعالة قادرة على إنتاج الكفاءة والاستقرار.

كيف تنقذ البلدان؟

التجديد الذي يحتاجه بلد الأزمة ليس صراع أجيال، ولا تصفية حساب مع الماضي، بل انتقال من منطق “إدارة الأزمات” إلى منطق “بناء الدولة”، وهذا يتطلب إعداد قيادات تمتلك المعرفة والخبرة والانضباط المؤسسي، لا مجرد الحضُور الإعلامي أو الخطاب العاطفي، وإنما قدرة على اتخاذ القرار ضمن حسابات دقيقة تمس الاقتصاد والأمن الغذائي والعلاقات الاجتماعية والسيادة الوطنية.

بناء المستقبل يرتبط بإنشاء بيئاتٍ حقيقية لصناعة القيادات: مراكز دراسات، برامج تأهيل، مؤسسات تخطيط، ومسارات واضحة لاكتشاف الكفاءات وتطويرها، فالقائد لا يولد فجأة بسبب موجة شعبية أو ظرف سياسي، بل يُبنى عبر تجربة طويلة وتدريب مستمر واحتكاك حقيقي بالمؤسسات.

“الدولة المهنية”؛ أي الدولة التي تُدار بالكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، لا بمنطق الانقسام أو تمثيل المكونات وهو ما أصبح محرما في رواندا، فحين تصبح الوظائف العليا مسؤولية وطنية لا مجرد مواقع توازن، تبدأ المؤسسات باستعادة معناها الحقيقي.

وفي هذا السياق، يصبح دور الشباب مهمًا جدًا، لكن ليس بوصفهم بديلًا بيولوجيًا عن الأجيال السابقة، بل باعتبارهم طاقة يجب إعدادها ودمجها تدريجيًا داخل مشروع دولة مستقر، فالشباب يمتلكونَ الحماس والقدرة على التغيير، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى الخبرة والتوجيه والرؤية الاستراتيجية، حتى لا يتحول الاندفاع إلى ارتباك أو إعادة إنتاج للأخطاء نفسها بصيغ جديدة.

صغار السن ممكن أن يغيروا

إن أخطر ما يمكن أن تواجههُ الدول الخارجة من الأزمات هو أن تبقى أسيرة الماضي، لكن الأخطر أن يستمر تحييد الخبرات الحقيقية بِنَفَسِ الاستحواذ، ولابد من تجديد يفتح المستقبل ويعيد عقل الدولة، وإصلاح يبتعد عن الانقسام دون أن يدخل في مغامرات غير محسوبة، الشباب صغار السن إن كان عندهم رؤية ورسالة فهم قادرون فعلا على التغيير إلى الأفضل، بناء الأوطان لا بتبديل الوجوه، بل ببناء ثقافة دولة ترى في الكفاءة والخبرة والنزاهة أساسًا للاستقرار الحقيقي، وعندما يصبح معيار القيادة هو القدرة على خدمة العراق بوصفه وطنًا وليس حصص مكونات، أو غنيمة كما أراد الاحتلال للبلاد.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours