هل أحببنا وطننا!

نمتار/ لوزان/ فائق العبودي

كوني أعيش في سويسرا، هذا البلد الجميل الذي يشبهه البعض بالجنة، من خلال وصف الجنة، أتذكر يومًا زرت فيه مدينة لوسيرن الساحرة، وهي من المدن السويسرية الجميلة والمميزة.

وأنا أقطع الجسر الخشبي العتيق “كابيل بروكه”، الذي يمتد عمره إلى ما يقارب سبعمئة عام، وهو من أقدم الجسور الخشبية المغطاة في أوروبا، كثير من العابرين يتركون كلمة صغيرة أو يحفرون الحرف الأول من أسمائهم كذكرى.

في ذلك اليوم وجدت كلمة صغيرة لسيدة خليجية كما وقّعت، تقول ” “اللهم لك الحمد ولك الشكر، جعلتنا نرى جنتك في الأرض فلا تحرمنا من جنتك في السماء..”.

إذن سويسرا تشبه الجنة من جمال الطبيعة، والجبال، والبحيرات، والهواء النقي، والشوارع النظيفة سويسرا فيها شعب يحبها وينتمي إليها بعمق.

هل تتخيلون أنه في زمن كورونا اقترحت الحكومة السويسرية تقديم مبلغ مالي كمعونة للشعب، والمفاجأة أن كثيرًا من الشعب رفضها، بحجة أن هذا القرار قد يثقل على خزينة الدولة؟

إنه الانتماء الحقيقي..

وأنا سعيد أنني أتعلم الكثير من هذا الشعب، ويبدو فعلًا أن البيئة تؤثر على الإنسان دون أن يشعر.

كوني عضوًا في جمعية الفنانين السويسريين، وهذه العضوية فيها مميزات كثيرة، ومنها إذا احتجت شيئًا للبيت: ثلاجة، تلفاز، سرير أو كنبات، بإمكاني أن أطلب منهم ذلك، وقد احتجت لبعض هذه الأشياء، لكنني فضلت أن أشتريها بنفسي، طالما لدي القدرة.

وبخصوص النظافة، فهناك قوانين صارمة ،حتى حاويات القمامة فيها تخصيص؛ للورق، للبلاستيك، للزجاج، لبقايا الطعام وهكذا.

بالأمس كنت أشاهد تقريرًا مصورًا عن تطبيق قانون مخالفات النظافة، يوجد أشخاص بزي رسمي يتجولون في المدينة، وأحيانًا يختبئون في أماكن لا يراهم فيها أحد، ويراقبون الناس، من يبصق في الشارع غرامة تتجاوز مئة دولار، ومن يرمي علكة أو عقب سيجارة غرامة مشابهة، وهناك غرامات أكبر لمن يتبول في الشارع أو لأصحاب الكلاب الذين لا ينظفون فضلات كلابهم، رغم أن المدينة وضعت أكياسًا خاصة لهم في كل مكان، وقد تصل الغرامة إلى مئتي دولار.

سؤال قفز إلى ذهني: هل ممكن تطبيق ذلك في بلداننا، التي يعبث بها الفاسدون الذين لا تشبعهم كل هذه المليارات المنهوبة؟

بلداننا لا تحتاج إلى معجزات… بل تحتاج إلى حبٍ حقيقي وانتماء..تحتاج إلى إنسان يرى الوطن بيته الكبير، ويحافظ عليه كما يحافظ على كرامته وذكرياته

فحين يحب الإنسان أرضه بصدق، لن يرمي فيها مخلفاته، ولن يقبل أن تُسرق أو تُهان أمام عينيه.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours