نمتار / بيروت / د. ناصر زيدان
في دفاتر حسابات المتقاتلين على الضفة الشمالية من الخليج وفي مضيق هرمز؛ كل المساحات مُخصَّصة لإحتساب الأرباح والخسائر لدى المشاركين في الحرب، وهناك تجاهل كبير للمتأثرين فيها، وللمتضررين منها. فالولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل باشرت الحرب من دون التشاور وبلا استئذان، وايران تهرُب الى الأمام من خلال استهداف جيرانها في الخليج العربي، وحشر المجموعات الحليفة لها في لبنان والعراق في محرقة قاتلة، تُنهك بلاد الرافدين، وتكاد تقضي على بلاد الأرز.
يبدو أن الأطماع الاستراتيجية لدى طرفي النزاع هي التي تتحكَّم بمفاصل الحدث، حيث فريقاً يُعدّ العدة للهيمنة ولاستثمار المنطقة وخيراتها وموقعها لمصالحه الاقتصادية والسياسية، بينما الفريق الثاني يتحيَّن الفرص لتوسيع منسوب إنفلاشه في البلدان المحيطة، واستغلال مقدرات ليست من حقه، وقد وصل الأمر الى حد المطالبة بإدارة خاصة لمضيق هرمز الذي يعتبر بموجب القانون الدولي معبراً حراً تحكمه قواعد اتفاقية قانون البحار للعام 1982، والدول المُشاطئة له من الجهة الجنوبية – الغربية أكثر التصاقاً به، وقبل أن يُطلق عليه الأسم الجديد؛ كان عربياً خالصاً كما الجزر القريبة منه.
وكلا الفريقين المتقاتلين يتسلحون بميثولوجيات عقائدية غريبة عجيبة، تدَّعي أن ما يحصل استحقاق تاريخي ذكرته “الكُتب” في روايات تتحدث عن معركة “هرمجدون” التي يروِّج لها بعض الإسرائيليين وأصدقاء لهم في الولايات المتحدة الأميركية، بينما يروج الطرف الآخر لما يُسمى “معركة آخر الزمان” في استحضار لمشهديات غير مفهومة، وربما الهدف منها تخفيف منسوب المسؤولية عن الارتكابات التي تحصل بحق من ليس لهم علاقة بالحرب، ولتبرير حجم الضحايا والخسائر الكبيرة التي حصلت.
الخليج العربي والدول القريبة من ساحات المعركة تدفع أثمان مرتفعة من جراء هذه الحرب، وأحيانا يشعر بعضها أن استهدافهم يحصل عن سابق تصوُّر وتصميم – لا سيما من الجانب الإيراني – وقد وصل الأمر الى فرض حالة ترهيب يرافقها تهديد، بما يمكن وصفه عدواناً واضحاً، واستغلالاً للحدث لتنفيذ آجندة خاصة هدفها توسيع منسوب الهيمنة، وفرض وصاية على مضيق هرمز يتهدَّد بموجبها استقرار الحراك التجاري والنشاط الاقتصادي، بما ينعكس سلباً على الأمن في المنطقة برمتها.
الفريق الذي باشر الحرب على ايران تجاهل مصالح ورؤى دول المنطقة، وهو يمارس استهتاراً واضحاً بمقدراتها، وقد تكون أحد أهداف إسرائيل تقويض منسوب النمو العلمي والمالي والاقتصادي في هذه الدول. والفريق الآخر في الحرب يمارس ابتزازاً أدانه العالم أجمع من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 تاريخ 11/3/2026 الذي اعتبر استهداف الصواريخ والمسيرات الإيرانية للدول العربية المجاورة عدواناً موصوفاً، وخرقاً واضحاً للقانون الدولي.
المعتدون على دول الخليج العربي، والذين يحاولون فرض أمر واقع يتعارض مع مصالحها؛ ربما لا يدركون عناصر القوة التي تمتلكها هذه الدول، أو ربما يدركونها ويحاولون تجاهلها. فقمة مجلس التعاون التي انعقدت استثنائياً بمدينة جدة في 28 نيسان/ابريل اعتبرت أن أمن دول مجلس التعاون كلٌ لا يتجزأ، وأي اعتداء يستهدف أي دولة هو بمثابة عدوان عليها جميعاً. وحرص قادة دول الخليج على خفض التصعيد وانهاء الحرب القائمة؛ لا يعني بأية حال تفريط بالمقدرات الوطنية والقومية لهذه الدول.
وما ظهر من تضامن عربي ودولي واسع مع الدول الخليجية التي تعرضت للعدوان الإيراني؛ كان رسالة حاسمة في وجه المعتدين، وأكدت مواقف المُتضامنيّن على الاستعداد للمساندة إذا اقتضت الضرورة. ولعلَّى الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى أبو ظبي ولقائه مع رئيس دولة الامارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان؛ كانت الأبرز في سياق حملة التضامن، وقد استعرض الرئيسان بالفعل ثلة من المقاتلات المصرية من الطرازات المتطورة، في إشارة واضحة على استعداد القاهرة للمشاركة بالدفاع عن الامارات ضد أي عدوان يستهدفها. والرئيس السيسي حذَّر المعنيين من أي تمادي باستهداف الأراضي الإماراتية.
مناورة المتحاربين بهدف النيل من دول الخليج لاقت رفضاً حازماً، والنظر الى هذه الدول المُسالة والتي لا تريد الحرب كونها ضعيفة؛ مقاربة موهومة. فلهؤلاء عوامل قوة كبيرة، ومقدرات هذه الدول ومصالحها وأمن شعوبها، لا يمكن التفريط بها، والدفاع عنها ثابتة غير قابلة للتراجع. ومحاولة البعض من القريبين من هذه الدول، او البعيدين عنها، فرض أمر واقع يقلِّل من شأن هذه الدول، او يفرض هيمنه عليها؛ هي بمثابة الأحلام الغير قابلة للتطبيق على الاطلاق، ومهما ازدادت الصعوبات. وجميع المعنيين بالحرب مطالبين بوقفها، وبإحترام القانون الدولي، وتجنُّب أي اعتداء على حقوق الآخرين، او تسديد فواتير من حساباتها.


+ There are no comments
Add yours