” في مديح المروحة ” لكاظم الواسطي …النص يتجنب الخطاب الأيديولوجي المباشر، رغم كثافة التجربة السياسية

نمتار / علاء المفرجي

يمكنك تناول كتاب “في مديح المروحة” للشاعر كاظم الواسطي، بوصفه تجربة كتابية مركّبة تتجاوز التصنيفات التقليدية، فهو ليس سيرة ذاتية خالصة، ولا ديوان شعر، ولا حتى كتاب رحلات بالمعنى المتعارف عليه، بل نص مفتوح يشتغل على تداخل الأجناس، كما يوحي عنوانه “في مديح المروحة”؛ حيث تصبح “المروحة” استعارة لحركة النص نفسه: دوران، تبدّل، وتوزيع للهواء/المعنى في اتجاهات متعددة.

يقدّم الشاعر نصاً عصياً على التصنيف، نصاً يشتغل على مبدأ “الكولاج” كما يصفه هو نفسه، حيث تتجاور المقاطع وتختلف نبراتها، لكنها تظل مشدودة بخيط خفي من التجربة الشخصية والذاكرة واللغة. ومنذ الصفحات الأولى، يبدو أن القارئ لا يدخل كتاباً بقدر ما يُدخل حياةً مجزأة، أو بالأحرى حياة يُعاد تركيبها عبر شذرات سردية وشعرية.

في مجال السيرة الذاتية التي يفتتح بها كتابه فالشاعر لا يروي حياته وفق تسلسل زمني خطي، بل عبر مقاطع منفصلة تقوم على الانتقاء والاسترجاع. فهنا يمكن استدعاء مفهوم الذاكرة السردية، حيث لا تُفهم الذاكرة بوصفها مخزناً للأحداث، بل كعملية إعادة بناء مستمرة. فالواسطي لا يعيد “نقل” تجربته في الانخراط في أفكار اليسار أو مشاركته في حركة الأنصار في كردستان أو تجربة الاعتقال، بل يعيد تشكيلها لغوياً، بحيث تصبح التجربة ذاتها نتاجاً للكتابة.

كما أن النص يتجنب الخطاب الأيديولوجي المباشر، رغم كثافة التجربة السياسية. وهذا ما يمنحه بعداً إنسانياً وجمالياً، إذ تتحول الأيديولوجيا إلى خلفية صامتة، بينما تتقدم التجربة الفردية بوصفها مركزاً للسرد. فسيرته بطريقة غير تقليدية؛ فهو لا يقدّم سرداً خطياً، بل يلتقط لحظات مفصلية: الطفولة، الوعي السياسي، الانجذاب إلى أفكار اليسار، ثم تجربة الانخراط في حركة الأنصار في كردستان، وما تلاها من اعتقال. هذه التجربة لا تُروى بلغة التوثيق، بل بلغة تتأرجح بين الاعتراف والتأمل. السيرة هنا ليست استعادة للماضي فقط، بل إعادة تأويل له. وكأن الكاتب لا يسأل: “ماذا حدث؟” بل “كيف بقي هذا الحدث داخلي”؟

اللافت أن الواسطي يخفف من ثقل الأيديولوجيا عبر حس إنساني وشعري، فلا تتحول التجربة السياسية إلى خطاب مباشر، بل إلى أثر نفسي وجمالي يتسرّب إلى اللغة.

في شعرية الإهداء التي ضمنها الكتاب من خلال عدد من النصوص مهداة الى أصقاء الشاعر وعائلته، هناك منحى غنائياً، ويمكن قراءة هذه النصوص ضمن إطار “شعرية الإهداء”، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لاستحضار الآخر وتثبيته في الذاكرة. إن حضور الآخر هنا ليس حضوراً وصفياً، بل بنيوي؛ إذ تتشكل هوية الذات الشاعرة عبر علاقتها بالآخرين. ويمكن ربط ذلك بمفهوم الغيرية، حيث لا تُفهم الذات إلا عبر انعكاسها في الآخر. تتميّز هذه القصائد بلغة حميمة، لكنها لا تنزلق إلى المباشرة العاطفية، بل تحافظ على توتر شعري يقوم على الاقتصاد اللغوي والإيحاء. فالصديق أو القريب لا يُقدَّم كشخصية مكتملة، بل كأثر، كصدى في الذاكرة.

النصوص هنا تتحول إلى فعل وفاء، وإلى محاولة لحفظ الوجوه من الغياب. الأصدقاء ليسوا مجرد شخصيات عابرة، بل هم جزء من تكوين الذات الشاعرة. لذا فإن هذه القصائد تكشف جانباً آخر من الواسطي: الشاعر الذي يكتب ليبقي الآخرين أحياء في اللغة.

في كتابه أيضا تبدو المدن بوصفها نصوصاً، حيث يعيد الواسطي كتابة المدن التي زارها، لكن خارج تقاليد أدب الرحلة الكلاسيكي. فالمدينة لا تُقدَّم كفضاء جغرافي موضوعي، بل كخبرة ذاتية مشروطة بالذاكرة والانفعال. يمكن النظر إلى هذه النصوص بوصفها “جغرافيا شعرية”، حيث تتداخل عناصر السرد والوصف مع لغة مجازية كثيفة. فالمدينة تُختزل أحياناً في تفصيلة صغيرة، ما يعكس نزوعاً نحو تفكيك الكلّ لصالح الجزئي.

يشكّل مبدأ “الكولاج” في هذا الكتاب، البنية العميقة للنص، حيث تتجاور المقاطع دون روابط سببية واضحة. ويمكن قراءة هذه التقنية في ضوء مفهوم الكولاج الذي يقوم على تجميع عناصر متباينة داخل فضاء واحد. هذه البنية لا تعكس فقط اختياراً جمالياً، بل تمثّل أيضاً رؤية للعالم: عالم متشظٍ، غير قابل للاختزال في سردية واحدة. وهنا يلتقي الشكل بالمضمون؛ فالتشظي البنيوي يعكس تشظي التجربة نفسها. كما أن هذا النمط من الكتابة يقاوم “سلطة السرد الكبير”، ويفسح المجال أمام أصوات متعددة، ووجهات نظر متباينة، ما يقرّبه من روح الكتابة ما بعد الحداثية. فالنصوص لا تسعى إلى الانسجام الكامل، بل إلى خلق توتر جمالي بين الأشكال المختلفة: السيرة، الشعر، الرحلة. هذا التعدد لا يبدو اعتباطياً، بل يعكس طبيعة التجربة نفسها: تجربة متشظية، مليئة بالتحولات والانقطاعات. وهنا يمكن فهم “المروحة” كرمز لهذا التعدد؛ فهي لا تنتج معنى واحداً، بل توزّع المعاني في اتجاهات متعددة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours