نمتار / د. حسين الانصاري
يشكّل الفن في عالمنا المعاصر أكثر من مجرد نشاط جمالي أو وسيلة للتعبير الإنساني، إذ أصبح قوة اقتصادية وثقافية فاعلة تسهم في تشكيل هوية الشعوب ومحركا لاقتصاديات الدول وتطورها . فلو تأملنا تفاصيل الحياة اليومية لوجدنا أن الفن حاضر في مختلف جوانبها فهو يتشكل في الموسيقى، والسينما، والمسرح، والعمارة، والرسم، والأزياء، وحتى في تصميم الأشياء البسيطة التي يستخدمها الإنسان يوميا. وقد غدا الفن جزءا من تكوين الشخصية الإنسانية، ليس فقط عبر ممارسته وإنتاجه، بل من خلال تلقيه وتذوقه وفهم دلالاته الجمالية والرمزية.
إن العملية الفنية لا تقتصر على الفنان وحده، بل تتكامل مع المتلقي الذي يسهم في إنتاج المعنى وتحقيق الأثر الجمالي. ومن هنا تنشأ العلاقة الحيوية بين الفن والمجتمع، وهي علاقة تتجاوز حدود المتعة البصرية أو السمعية لتصل إلى مجالات الثقافة والاقتصاد والاستثمار. فكل عمل فني، مهما بدا بسيطا، يحتاج إلى منظومة اقتصادية تحيط به منذ لحظة الفكرة ثم مراحل الانتاج وحتى وصوله إلى الجمهور فرسم لوحة تشكيلية، أو صناعة إناء فخاري، أو إنتاج عرض مسرحي، أو إخراج فيلم سينمائي، أو تأليف عمل موسيقي أوركسترالي، جميعها تعتمد على التمويل، والإنتاج، والتسويق، والتوزيع، ووسائل العرض والترويج.
وقد شهد العالم المعاصر تحولات كبيرة جعلت الفن يدخل بقوة في سوق الاقتصاد العالمي، حتى باتت الصناعات الثقافية والفنية من أهم مصادر الدخل في كثير من الدول. فالسينما العالمية على سبيل المثال أصبحت صناعة ضخمة تتجاوز ميزانيات بعض أفلامها ميزانيات دول صغيرة، وتحقق أرباحًا هائلة من خلال شباك التذاكر ومنصات العرض والإعلانات وحقوق البث كأفلام الخيال العلمي والمغامرات وحرب النجوم خاصة منها سلاسل مارفل وقراصنة الكاريبي وفيلم أفاتار الذي حقق اكثر من ملياري دولار حتى هذا العام.
وهكذا الحال بالنسبة للأعمال الفنية التشكيلية اذ وصلت أسعار لوحات بعض الـ فنانين العالمين إلى مئات الملاين أمثال لوحات دافنشي ، الموناليزا وسالفادور موندي او لوحة بول سيزان ، لاعبو الورق التي اقتنتها دولة قطر وهناك لوحات فنية كثيرة اصبحت لا تقدر بثمن.
وكذلك الحال بالنسبة للموسيقى والمهرجانات والمتاحف والمعارض الفنية التي تستقطب ملايين الزوار سنويا، والتي تدر عوائد اقتصادية كبيرة على الدول والمؤسسات الثقافية.
لقد أدركت العديد من الدول المتقدمة أن الاستثمار في الفن ليس ترفا ثقافيا، بل رافد اقتصادي واستراتيجي مهم. ولذلك عملت على توظيف منجزاتها الفنية وتراثها الثقافي بوصفها قوة ناعمة تعزز حضورها العالمي. فالمتاحف الكبرى لم تعد مجرد أماكن لحفظ الأعمال الفنية، بل تحولت إلى مؤسسات اقتصادية وسياحية ضخمة تسهم في تنشيط السياحة وتوفير فرص العمل وتحقيق عوائد مالية مستمرة. كما أن الأعمال الفنية ذات القيمة الرمزية أصبحت تمثل هوية الشعوب وذاكرتها الحضارية، الأمر الذي جعلها تحظى بمكانة كبيرة في سوق الفن العالمي.ومن جانب آخر، يسهم الفن في دعم الاقتصاد المعنوي للمجتمعات من خلال تعزيز الانتماء الثقافي وترسيخ الهوية الوطنية ورفع الذائقة الجمالية والشعور بالثقة والسعادة لدى الإنسان. فالدول التي تمتلك مشروعًا ثقافيا وفنيا متماسكا تستطيع أن تبني صورة حضارية مؤثرة في العالم، وأن تعكس قيمها الإنسانية والإبداعية عبر فنونها المختلفة. ومن هنا أصبحت الثقافة والفنون جزءا من الدبلوماسية الثقافية التي تعتمدها الدول لتعزيز حضورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
إن العلاقة بين الفن والاقتصاد هي علاقة تبادلية قائمة على التأثير المتبادل فالفن يحتاج إلى الاقتصاد لكي يتحقق وينتشر ويستمر، بينما يحتاج الاقتصاد إلى الفن لما يوفره من قيمة رمزية وجمالية واستثمارية قادرة على تحريك الأسواق وتنشيط السياحة والصناعات الإبداعية. ولهذا أصبح الفن اليوم أحد أهم مؤشرات تطور المجتمعات وتحضرها، وأحد أبرز المجالات التي تعكس قدرة الإنسان على تحويل الإبداع إلى قوة اقتصادية وثقافية مستدامة.




+ There are no comments
Add yours