العراق بين وهم التغيير وحقيقة النظام..

نمتار / د . عبد الوهاب العاني

يتجدد الجدل في كل استحقاق سياسي: هل الأفضل الدفع بوجوه جديدة، أم العودة إلى شخصيات سبق أن تولّت المسؤولية؟ ورغم أهمية السؤال، إلا أنه يلامس السطح أكثر مما يغوص في جوهر الأزمة. فالتجربة العراقية خلال السنوات الماضية تشير بوضوح إلى أن تغيير الأسماء وحده لا يكفي، ما لم يترافق مع تغيير حقيقي في آليات الاختيار وطبيعة إدارة الحكم.

المشكلة الأساسية لا تكمن في “من” يُرشَّح، بل في “كيف” و“لماذا” يُرشَّح. فعندما تبقى الجهات التي تتحكم بعملية الترشيح—وهي غالباً زعامات الأحزاب والكتل—هي نفسها، فإن النتيجة ستكون، في أغلب الأحيان، إعادة إنتاج المنظومة ذاتها، حتى وإن ظهرت بوجوه جديدة. قد تتبدل الأسماء، لكن طريقة التفكير، وأدوات العمل، وشبكات النفوذ تبقى على حالها.

لقد أثبتت الوقائع أن كثيراً من “الوجوه الجديدة” دخلت المشهد بشعارات مختلفة، لكنها سرعان ما اندمجت في نفس السياق، وخضعت لنفس التوازنات والضغوط، فتحولت إلى امتداد لما سبقها بدل أن تكون بديلاً عنه. وقد شهدت تجارب سابقة دخول شخصيات جديدة إلى مواقع المسؤولية، لكنها عملت ضمن نفس منظومة التوازنات، فلم يلمس المواطن فرقاً حقيقياً في الأداء، وبقيت النتائج على حالها رغم تغير الأسماء. وهذا يعكس خللاً بنيوياً في قواعد اللعبة السياسية، حيث تغيب معايير الكفاءة، وتُقدَّم الولاءات الحزبية على حساب المصلحة العامة، وتضعف آليات المحاسبة بشكل يجعل الأداء غير مرتبط فعلياً بالبقاء في المنصب.

في المقابل، لا يمكن التعويل على “الوجوه السابقة” بحجة الخبرة فقط، لأن جزءاً كبيراً من هذه الخبرة ارتبط بإدارة الأزمات أكثر من حلّها، أو بالتكيّف مع واقع مختل بدل إصلاحه. وهنا يتضح أن المفاضلة بين “قديم” و“جديد” ليست كافية بحد ذاتها، بل قد تكون مضللة إذا لم تُطرح ضمن إطار أوسع يتعلق بجودة النظام السياسي وآليات عمله.

إن ما يحتاجه البلد فعلاً هو إعادة تعريف لمعايير الاختيار: كفاءة مهنية حقيقية، استقلالية نسبية عن مراكز النفوذ، برامج واضحة قابلة للتنفيذ، والأهم من ذلك وجود نظام رقابي فعّال يربط الاستمرار في المنصب بمستوى الأداء. فبدون هذه العناصر، ستبقى أي عملية تغيير شكلية، مهما حملت من عناوين براقة.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء آلية شفافة للترشيح، تُعلن فيها المعايير بوضوح، وتُمنح فيها الأولوية للقدرة والإنجاز، لا للانتماء والولاء. كما يتطلب تعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتفعيل مبدأ المساءلة، بحيث لا يكون المنصب مكافأة سياسية، بل مسؤولية مشروطة بنتائج ملموسة.

في النهاية، لا يكفي أن نسأل: هل نريد وجوهاً جديدة أم قديمة؟ بل يجب أن نسأل: هل نمتلك نظاماً قادراً على إنتاج قيادات كفوءة ومحاسبتها؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد إن كان التغيير حقيقياً… أم مجرد تبديل أسماء في مشهد لا يتغير. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من تبديل الوجوه، بل من كسر القواعد التي أعادت إنتاج الفشل مرارًا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours