بين خدمة الفرد وبناء الدولة… أين يقف دور النائب؟

نمتار / د. عبد الوهاب العاني

في كل مرة تُطرح فيها قضية عامة تمسّ حياة الناس—سواء كانت الإفراج عن موقوف بعد سنوات من المعاناة، أو المطالبة بتعيينات وظيفية، أو السعي لتعبيد طريق، أو حلّ أزمة خدمية—يتجدد الجدل حول دور النائب وحدود مسؤوليته. هل ما يقوم به يُعد إنجازًا استثنائيًا يُشاد به، أم أنه واجبٌ أصيل يندرج ضمن صميم عمله؟ وبين مشاعر الامتنان لهذه المبادرات، والحاجة إلى تقييم موضوعي للأداء النيابي، يبرز سؤال جوهري: هل تحوّل النائب إلى وسيط خدمات، أم ما زال حاملًا لمشروع دولة؟

تُظهر الوقائع المتكررة في الساحة، من متابعة ملفات قضائية، إلى التدخل في قضايا خدمية أو وظيفية، جانبًا من الحراك الذي يقوده بعض السادة النواب. ولا شكّ أن إنهاء معاناة إنسان، أو تيسير أمرٍ لمواطن، عمل يُقدَّر من حيث أثره الإنساني. لكن هذه الوقائع، على أهميتها، تفتح بابًا أوسع للتساؤل: لماذا تبقى هذه القضايا بحاجة إلى تدخلات فردية أصلًا؟ وأين دور المؤسسات التي يفترض أن تكفل الحقوق دون وساطة؟

في الحقيقة، إن دور النائب لا ينبغي أن يُختزل في كونه امتدادًا لبيئته الاجتماعية أو العشائرية، أو ممثلًا لعلاقات شخصية يوظّفها لخدمة أفراد بعينهم. فالنائب، بمجرد وصوله إلى موقعه، يكون قد انتقل من دائرة العلاقات الضيقة إلى فضاء الدولة، حيث المسؤولية العامة، والتشريع، والرقابة، وصناعة السياسات. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن يتحول من “وسيط خدمات” إلى “صانع قرار”.

إن الكثير من النواب، وللأسف، ما إن يفوزوا بثقة الناخبين، حتى يبدأ التباعد التدريجي بينهم وبين جمهورهم، لا بمعنى الابتعاد الجسدي فقط، بل في مستوى الأداء والتأثير. فينخفض سقف الطموح من مشاريع إصلاحية كبرى إلى متابعة معاملات فردية، أو التوسط في تعيينات، أو حلّ قضايا جزئية. وهذا ما يفسّر لماذا تتكرر الأزمات دون حلول جذرية، ولماذا يبقى المواطن عالقًا بين الحاجة والانتظار.

وهذه الأدوار، وإن كانت مهمة في بعدها الإنساني، إلا أنها لا تمثل جوهر العمل النيابي، بل هي من صميم واجبات الدولة ومؤسساتها، وليست مِنّةً تُمنح، ولا إنجازًا يُفاخر به. فالدولة التي تحتاج إلى “واسطة” لإحقاق الحق، هي دولة لم تكتمل مؤسساتها بعد.

إن النائب الحقيقي هو من يعمل على تغيير قواعد اللعبة، لا الاكتفاء بالتحرك داخلها. هو من يسعى لتشريع قوانين عادلة، ومراقبة أداء الحكومة بجدية، ووضع خطط استراتيجية تنهض بالاقتصاد، وتُصلح التعليم، وتُعالج البطالة، وتبني بنية تحتية تليق بالمواطن. أما اختزال الدور في “تعبيد طريق” هنا، أو “توفير فرصة عمل” هناك، فهو تقزيم لمفهوم الدولة، وتحويل العمل النيابي إلى خدمات آنية لا تصنع مستقبلًا.

كما أن ربط دور النائب بالعشيرة أو القبيلة يحدّ من أفقه الوطني، ويجعله أسير مطالب جزئية، بدل أن يكون ممثلًا لكل المواطنين. فالدولة لا تُبنى بمنطق المحاصصة الاجتماعية أو المجاملات، بل بمنطق العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.

إن ما يحتاجه المواطن اليوم ليس نائبًا “يُنجز معاملة”، بل نائبًا يصنع نظامًا لا يحتاج فيه المواطن إلى واسطة. نائبًا يعمل على ترسيخ مؤسسات قوية، يكون فيها الحق مكفولًا للجميع دون الحاجة إلى تدخلات استثنائية.

وفي الختام فإن بناء الدول لا يتحقق بحلول مؤقتة ولا بجهود فردية مهما كانت مخلصة، بل برؤية واضحة ومؤسسات راسخة تُنصف الجميع دون استثناء. وبين نائبٍ يلاحق معاملة، ونائبٍ يصنع نظامًا، تتحدد ملامح المستقبل. فإما أن نُعيد تعريف الدور النيابي بما يليق بالدولة، أو نبقى ندور في حلقة الخدمات المؤقتة التي لا تبني وطنًا ولا تحفظ حقًا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours