فجوة التنبؤ في الإعلام العراقي

‏نمتار / عماد آل جلال

في اتصاله الهاتفي أثار الصديق الصحفي الرائد حسن عبد الحميد موضوعاً مهماً يتعلق بالإعلام التنبؤي الذي تأخرت الجامعات العراقية وكلياته المتخصصة في دراسته والتعمق بمفاهيمه، في الوقت الذي تتسابق الجامعات في عديد من دول العالم في تبنيه والتوسع في اعتماده.

ان الإعلام في عصرنا الرقمي لم يعد مجرد مرآة تعكس ما يجري في الواقع، بل أصبح بفضل التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أداة قادرة على استشراف المستقبل وصياغة ملامحه قبل أن يتشكل. هنا يبرز مفهوم “الإعلام التنبؤي” بوصفه أحد أهم التحولات النوعية في علوم الإعلام المعاصرة.

الإعلام التنبؤي لا يكتفي بتغطية الأحداث أو تحليلها بعد وقوعها، بل يعتمد على قراءة الأنماط السلوكية للجمهور، وتحليل البيانات الضخمة، لاستخلاص مؤشرات دقيقة حول ما يمكن أن يشغل الرأي العام في المستقبل القريب. هذا التحول يعكس انتقالًا من صحافة ردّ الفعل إلى صحافة المبادرة، حيث تصبح القدرة على التوقع قيمة مهنية لا تقل أهمية عن سرعة النشر.

في هذا السياق، تلعب الخوارزميات دوراً محورياً. فالمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية الكبرى، مثل Google وNetflix، طورت أنظمة معقدة قادرة على تحليل سلوك المستخدمين، من عمليات البحث إلى أنماط المشاهدة، ومن ثم بناء نماذج تنبؤية تحدد اهتماماتهم القادمة. هذه النماذج لا تعمل فقط على تحسين تجربة المستخدم، بل تساهم أيضاً في توجيه المحتوى الإعلامي نفسه.

لكن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات. فالإعلام التنبؤي يطرح تساؤلات عميقة حول حدود التأثير والتوجيه: هل ما يُقدم للجمهور يعكس اهتماماته الحقيقية، أم يعيد تشكيلها وفق ما تتوقعه الخوارزميات؟ كما تبرز مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية، إذ يعتمد هذا النوع من الإعلام على جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية.

في العراق على سبيل المثال لا الحصر، إلى جانب النشر الأكاديمي، ظهرت في الجامعات العراقية فعاليات علمية تؤكد انتقال النقاش من الهامش إلى المتن. فقد تناولت تقارير منشورة في 2025 مؤتمراً علمياً في الجامعة العراقية خصص لبحث دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وتضمن محاور عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، وتعزيز التفاعل والابتكار في المؤسسات الإعلامية، وتحليل مضمون الصورة عبر التقنيات الذكية، وبناء إعلام مستدام. فيما أعدت كلية الإعلام في الجامعة العراقية “خريطة طريق” للتعامل مع الذكاء الاصطناعي وتوظيفه إعلامياً استنادا إلى توصيات مؤتمرها العلمي. هذه المؤشرات لا تعني أن الإعلام التنبؤي صار تخصصاً راسخاً، لكنها تعني أن الجامعات العراقية بدأت تدرك أن مستقبل الإعلام لن يُفهم خارج بيئة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

من جهة أخرى، يفتح الإعلام التنبؤي آفاقا واسعة أمام الصحافة الاستقصائية وصناعة القرار الإعلامي. فبدل انتظار الأزمات، يمكن استباقها عبر تحليل المؤشرات المبكرة، وبدل ملاحقة “الترند”، يمكن صناعته استنادا إلى فهم عميق لديناميات الجمهور.

إننا أمام مرحلة جديدة تعيد تعريف وظيفة الإعلام ذاته. لم يعد السؤال: “ماذا حدث؟”، بل أصبح: “ماذا سيحدث؟ ولماذا؟”. وفي هذا التحول، تكمن قوة الإعلام التنبؤي وخطورته في آن واحد، وجامعاتنا مدعوة لمواكبة هذا التطور التقني الخطير وملاحقته، قبل أن نندب حظنا كما نفعل دائماً.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours