نمتار / ثلاث عبد العزيز
تضم الخزانة السينمائية العالمية العديد من الاشرطة السينمائية التي عالجت المشكل المعقد لـ “أطفال الحرب”، وتظل السينما الافريقية الى حدود اليوم رائدة في معالجة موضوع “تجنيد الأطفال” كحطب وادرع في حروب ليست لهم. فهم مجرد كائنات تعيش التشرذم العائلي لكثرة الحروب الطائفية وأغلب الأشرطة هي رسائل إدانة موجهة من السينمائيين والسينمائيات الافارقة للمنظمات الدولية والقطرية للحد من هذا النزيف.

ودون الغوص في هذا الموضوع الكارثي ضد الانسانية سواء في افريقيا او دول اخرى بما فيها الدول الاوربية التي عاشت تجارب حربية متعددة وجد معقدة
حكي سينمائي ما بين الأسطورة والواقع، سأحاول إلقاء الضوء على أطفال ضحايا الحرب وتحديدا في العراق من خلال شريط “إركالا حلم كلكامش” (مدة العرض 109 دقائق) من اخراج محمد جبارة دراجي عن سيناريو الدراجي وكريم ترايديا، الموسيقى لمايك وفابيان كورتزر انتاج المركز العراقي للأفلام المستقلة سنة 2025.
المخرج بعد ان تعايش عقدين من الزمن مع قصص الأطفال الذين وقعوا في مرمى نيران حروب بالعراق، من هنا جاءته الفكرة، ليوظف الموضوع ضمن “أسطورة جلجامش ” الملك الذي يأمل في إعادة صديقه إلى الحياة بالذهاب إلى “إركالا” (العالم السفلي) من خلال «شــم شــم» طفــل دون سكن يتسكع بفضاءات شورع بغــداد يوهم نفسه على انه منفلت من واقع مؤلم ليعيد تخيل “أسطورة جلجامش” في سياق الحياة الحضرية المعاصرة في العراق. وفي اعتقادي ان (السيناريو يعتبر الحرب او المتحاربين دعامة للحكي ليس الا) لان الحرب يمكن ان تكون افتراضية متخيلة من خلال بعض المشاهد السينمائية وهي في الأصل ليست مهمة ضمن الخطاب السينمائي للمخرج بل هي خلفية درامية لإبراز وضع هش لأطفال الحرب، هؤلاء الذين يتوجهم الفيلم من خلال اغنية النهاية حول وطن غالي، رغم أن الانارة تحيل على كآبة (!) في ختام الفيلم فالشخصيات الرئيسية تحمل كتب مدرسية كأفق مفتوح على الصفحات الموالية لمستقبل وطن، مدينة وللإنسان.
احداث الشريط يشخصها أطفال منهم(ن) يوسف علي طه، حسين رعد زوير، سمر كاظم جواد…الخ. والتي تنطلق بأحداث يعمل المخرج على توظيفها ليجعل المشاهدين ضمن الاحداث أي انه عمل على تحطيم الجدار الرابع رغم انها تقنية مسرحية. وبذلك جعل المشاهدين كشخصيات ضمن الشريط وليس فقط مجرد مشاهدين متعاطفين مع أطفال مشردين لظروف ما في شوارع بغداد، التي تعيش تحت نيران المواجهة ما بين شباب وقوات الامن العمومي التي تطاردهم عبر القنابل المسيلة للدموع، فيما الأطفال هم خارج هذه المواجهات، هم كائنات بشرية تبحث لنفسها عن موقع قدم.
الموقع الذي ابتدعته سائقة حولت الحافلة الى مدرسة لانتشال الأطفال من الامية بتلقينهم حروف الهجاء وتركيبها في كلمات من اللغتين العربية والأجنبية وتضبيب صورة الحرب والوضع الأمني المهزوز في البلاد وإضعاف تأثيرها لكي لا تكون -الحرب- كابحا لهم لمواكبة واقعهم وتحقيق احلامهم مستقبلا فقد تعلموا الكتابة والقراءة والتعبير عبر الرسوم، ولقطة الختام لأطفال ينشدون بلغة “عالمة”، وهم يحملون كتب وكراسات مدرسية باعتبارها نهاية مفتوحة على مستقبل بأفق أرحب.
الدراجي رائد سينما الشارع
استغرقت فترة انجاز شريط (اركالا – حلم كلكامش) خمس سنوات ليكون جاهزا لتختاره العديد من المهرجانات السينمائية من العالم العربي والغربي ضمن المسابقة الرسمية منها المهرجان السينمائي الدولي (البحر الأحمر) في دورته الخامسة (2025) مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي بدورته الـ77، طورنطو بكندا، وبتونس بقرطاج السينمائي والمهرجان الدولي لسينما الطفل والشباب بمدينة سوسة (2026) …. الخ
وينتمي “محمد جبارة الدراجي” حسب تقييمي ، الى جيل السينمائيين المعاصرين وقد ولد سنة 1978 ببغداد وبها درس التصوير والإخراج السينمائي، وغالبا ما يتحدث -في أغلب لقاءاته الصحافية- عن اهتمامه السينمائي بالأطفال ومن بين أعماله السينمائية: الحرب، أحلام- الحرب، الحب-الله والجنون- في أحضان امي، تحت رمال بابل -الرحلة-محطة بغداد…الخ، وهي أعمال سينمائية منسجمة بمعالجة قضايا مجتمعة وإنسانية يمكن تصنيفها ب “سينما الشارع” الموجة التي تضم لفيف من السينمائيين من القطر السوري والعراقي كاتجاه فرضته ظروف الحرب التي تعرفها اوطاننا هذه السنوات.




+ There are no comments
Add yours