بديع الكلام..الموت اللغز الذي يرافقنا منذ البداية

نمتار/ حنان بديع

منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على هذا العالم، يبدأ ظلّ خفي بمرافقتنا… ظل لا يُرى، لكنه حاضر في عمق كل تجربة، في كل وداع، في كل سؤال وجودي يمرّ بخاطرنا. ذلك الظل هو الموت؛ الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان، واللغز الذي لم يستطع العقل البشري، رغم كل تقدّمه، أن يفكّ شفرته.

الموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو الحدّ الفاصل بين المعروف والمجهول، بين ما نلمسه ونفهمه، وما نعجز عن إدراكه. لذلك، لم يكن غريبًا أن يقول سقراط: “الموت قد يكون أعظم نعم الإنسان”، إذ رأى فيه تحررًا من قيود الجسد، وبوابةً نحو معرفة أوسع لا يبلغها الأحياء.

وعلى النقيض من الخوف الشائع، جاء إبيقور ليطرح فكرة مدهشة حين قال: “الموت لا يعنينا، لأننا ما دمنا موجودين فالموت غير موجود، وإذا حضر الموت نكون نحن قد غبنا.” وكأنه يدعونا إلى نزع رهبة الموت من وعينا، والتصالح مع حتميته بوصفها أمرًا لا يمكن تجربته فعليًا.

أما مارتن هايدغر فقد نظر إلى الموت بطريقة أكثر عمقًا ووجودية، إذ اعتبره الحقيقة التي تمنح الحياة أصالتها. فبحسبه، الإنسان لا يعيش بوعي حقيقي إلا حين يدرك أنه “كائن نحو الموت”، وأن هذا الإدراك هو ما يدفعه ليعيش بصدق ومسؤولية.

وفي تأمل أكثر شاعرية، يرى فريدريك نيتشه أن الموت ليس نقيض الحياة، بل جزء من نسيجها، إذ يقول: “يجب أن يموت الإنسان في الوقت المناسب.” في دعوة ضمنية إلى عيش حياة مكتملة، لا تطول بلا معنى ولا تنتهي قبل أوانها.

وبين هذا وذاك، يبقى الموت سؤالًا مفتوحًا. هل هو نهاية مطلقة، أم بداية خفية؟ هل هو فناء أم تحوّل؟ لا أحد يملك الإجابة الكاملة، لكن الجميع يشعر بثقل السؤال.

وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن الموت، رغم غموضه، يمنح الحياة معناها. فكما أشار ألبير كامو، فإن وعي الإنسان بعبثية الوجود لا يقوده إلى اليأس، بل إلى التمرد وصناعة معنى خاص به. وهنا يصبح الموت ليس نهاية تُخيفنا، بل أفقًا يجعل لكل لحظة قيمة لا تُقدّر.

في النهاية، يظل الموت لغزًا لا يُفك، بل يُعاش. وبين خوفنا منه وسعينا لفهمه، نكتشف شيئًا أعمق: أن سرّ الحياة ربما لا يكمن في الهروب من الموت، بل في أن نعيش بوعي حضوره… بهدوء، وبشجاعة، وبقلبٍ ممتلئ بالحياة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours