
د. عبد علي كاظم المعموري
أستاذ الاقتصاد السياسي
كلية العلوم السياسية
جامعة النهرين – العراق
لابدَّ من الشكر للدكتورة سعاد الصباح على هذا الصنيع الجميل والمبادأة المتفردة في فكرتها وفعلها، والمتمثّلة ببرنامج الاحتفاء بالمبدعين والمثقفين العرب، لكونه بات تقليداً سنوياً يكرَّم فيه رموزنا وقاماتنا الفكرية والثقافية من كل أرجاء أرضنا العربية، والثناء في اختيار عنوانه (يوم الوفاء)، فهو يوم يعدّ رداً على زمن مغمّس بالانكسارات والآهات، التي جبلت عليها أجيال من أمتنا، بجغرافيتها الممتدة من الماء إلى الماء، وإشاحة للعتمة التي أريد لها أن تطول.
في البدء أعترف كما أظن وأزعم وربما مثلي الكثير، أن المتابعة والإلمام بسِفْر الإنجاز الفكري والثقافي والحقوقي لشخصية المفكر الكبير (شعبان)، تُعدّ صعبة على الأقل، ولا أقول إنها غير ممكنة، لكونها تتّسم بغزارتها وتدفق عطائها في شتى المناحي، وسأحاول قدر الإمكان، وبحدود المقام، أن أُقارب شعبان في حاضره، وفي جزء شحيح من تاريخه، لأنني لا أستطيع معرفة كل ذلك التاريخ المملوء بالأسرار والأسفار، وما احتضنته تجربته الشخصية والإبداعية، الممتّدة على مدى أكثر من نصف قرن، ففيها محطات كمحطات قطار مظفر النواب (الريل وحمد)، وجميعها عُدَّت مثابات لحركته في التحديث والتجديد، بذارها كان أغبش في رفض التكلّس والجمود، واستلاب حرّية التفكير تحت سطوة الحفاظ على العقيدة والفكر المقدس.
هذه الشخصية قد أتحفت المكتبة العربية بأكثر من 80 مؤلفاً متوزّعة على مروحة واسعة من الثقافة والمعرفة والأدب والتاريخ وسيره والفلسفة والسياسة والقانون والحقوق، بجانب الكثير من المحاضرات والمقالات الصحفية والمقدّمات للعديد من الكتب، فضلاً عن الحوارات الفكرية والندوات والمؤتمرات، مع خفايا وقضايا تمسّ مسيرة طويلة من النضال والهجرة والانتقال، ففيها معتقلات وسجون، وهنيئات سحر وعيون، وعشق مستور.
وعندما تريد أن تكتب عن شخصية ثقافية ومعرفية بوزن عبد الحسين شعبان، تصبح جلّ الصعوبة في مقدّماتها، فمن أين تبدأ لرحلة طويلة وممتدة، متنوّعة وثريّة، مجادلة ومجدّدة، في واقعيتها ومثاليتها، فالمنجز الذي قدّمه على مدى أكثر من نصف قرن، مُتوزّع بطريقة لا يفهمها إلا شخصه فقط، ففي كتاباته نجد قلمه يدلف حيناً نحو القانون ببراعة التقاطه لحالات محددّة، فيما يذهب حيناً نحو الأدب والشعر، وسياسياً في معالجة الكثير من الظاهرات التي شغلت أو تشغل فضاءاتنا، وفي التاريخ والسير لشخوص كان لهم دور ومكانة في أحداث كبرى، سواء في العراق بشكل خاص أو في عالمنا العربي بشكل عام. وما بينهما كتابات ومراجعات فكرية للفلسفات والأيديولوجيات والأديان والمذاهب والقوميات.
هذه السيرة انمازت بالدينامية التي لا تكلّ عن الانغماس في النص لحد التجريد والتفكيك، لمعرفة أسراره وخفاياه ومقاصده وتأويله، وتهتم باستنطاق الهوامش المتناثرة، كما يفعل رائد التفكيكية (جاك دريدا)، فنجده يتمرّد أحياناً بإزاء قدسية النص، وعلى بعضهم في فهمه على عواهنه، وجعله جامداً وربّما أجوف، بإزاء حركة التاريخ وتفاعلاته، وأنماط التطوّر ومساربه، مع أنه يعدّ من ذوي الاعتدال كصفة غالبة في أطروحاته، التي يريد منها أن تكون مقتربة من العقلانية المشروطة، فكان جلّ حواراتنا الفكرية معه، تأتي حيناً مفهرسة وأخرى تصادفية، وفي خواتيمها تفرز حالات امتلاء نتيجة شمولية التشريح، ودقة التوصيف، وفيض المعلومة، وهي دلالة تعبر عن كثافة حضوره في معترك فهم الظاهرة وحدودها، وموقعية تمظهرها وانزوائها، أو ديمومتها واستقرارها.
هذه الانتقالات الفكرية والثقافية أكسبته سمة الموسوعية بلا ضفاف، مع توسّم كتاباته بجزالة اللفظة، وبساطة الفكرة، وسهولة التلقي، حتى باتت موائده الفكرية التي يتحفُ بها أصدقاءه ومحبّيه ومتابعيه، شهية ونقية، طرية وثرية، ففي مصاحبتي له ردحاً من الزمن، وجدته يدقّق هذا الموقف، ويعيد النظر في ذاك مع الأخذ في نظر الاعتبار بمجريات الأحداث من أربابها، أو ممن عاصروها أو عايشوها، لهاثاً وراء دقة المعلومة وموضوعيتها، فتراه يحط رحاله أينما كانت هناك حاجة لتوثيق حادثة، أو رأي قيل أو موقف حدث.
وينبجس من هذا الحنين الذي يخبو حيناً ويتفجر حيناً آخر، انشداد خاص لذكريات لها خصوصياتها في صفائها ونقاوتها، وعقلانيتها وثوريتها، ليشدّ رحاله نحوها، بتلهف جامح، ليساكنها حيناً مسترجعاً جزءاً من ذلك الزمن الجميل، في أزقتها وشوارعها، وساحاتها وملتقياتها.. إنها النجف وبراغ ودمشق ولندن وبيروت محطة تساكنه وهدوءه، هذه الأماكن لها سحرها عنده وتشدّه بها عظيم ذكريات، والبعد أو الغياب عنها يرفعان منسوب الوجد عنده، لمديات تضعه عند مستوى اللهفة والشوق، فلكل منها فرادتها في وجدانه.
ولما كنت قد اخترت في عنوان مساهمتي (عكد السلام)[1] في النجف، من هنا ستبدأ الحكاية، في النجف (الصحن الحيدري والسوق الكبير) رئتان تتنفس منهما المدينة، تحتضنهما الأزقة الضيّقة والبيوت المتراصة والملتصقة ببعضها، والعكد هو زقاق صغير بيوتاته متقابلة بشدة، لا يكاد يسمح إلا لشخصين مروراً متعاكساً، وهي قريبة جداً من مرقد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث ولد شعبان في 21 مارس / آذار عام 1945، وفي هذه البيئة التي تحتضن المرقد الشريف بخصوصياتها وطقوسها، كانت النشأة والخطوة والمعاندة، إذْ غالباً ما يتجه أبناء البيوتات التي ترتبط أنشطتها وثقافتها بالمرقد الشريف، نحو المدارس التي تعنى بالفقه والشريعة والسِّيَر والأصول واللغة والنحو والصرف، ولاسيّما أن عائلة شعبان كانت مخصوصة بتولي الخدمة فيه (سر خدمة)، وهم المرشدون منذ زمن الحكم العثماني للعراق، إلا أنه ذهب نحو الضفة الأخرى مندفعاً إلى اليسار والماركسية، واختار لنفسه اسماً حركياً (سلام)، وهو ليس محض مصادفة.
ومن المناسب الإشارة إلى أن البيئة النجفية ظلت تنقسم إلى بيئتين؛ بيئة فوق الأرض وأخرى تحتها، وهي مدينة ثانية غير مرئية لمن هو خارجها، هاتان البيئتان تنفصلان أحياناً وتندمجان حيناً آخر، بحسب الحالات والمواقف والموضوعات، فما هو على السطح مما تموج به المدينة بحكم القداسة وخصوصية المكان لا يفسر المشهد الثقافي والفكري برمّته، من طغيان الثقافة الدينية والدروس الفقهية والدارسين، والاجتهاد والمجتهدين، وهذا وحده لا يعطي عنواناً منفرداً لطبيعة الحراك والنشاط الثقافي والعلمي والمعرفي، برغم ترميزاته البائنة.
وشعبان شأنه شأن الكثير من رموز هذه المدينة، هم الأكثر إدراكاً بخبايا الأمور في ما يطلق عليه (المؤسسات الدينية) ورجالاتها وفضاءاتها، فهو ابن بار لهذه المدينة، بما تحمله من حوارات وثقافات ومختلفات وحتى صراعات، سواء أكانت في (البرّانيات) فوق الأرض أم في (السراديب) تحت الأرض، في العائلات الدينية أم العلمانية، في الحارات والأزقّة والشوارع أم في القاعات والمنتديات الثقافية، وهذا الفعل الثقافي والفكري لا يتلوّن بلون واحد، بل حامل لكل الألوان، تبعاً لرؤى وتوجهات المتحاورين، ومشتملاً على مختلف المسارات بين الأيديولوجيا والفلسفة والأدب والسياسة والدين، ومعه مختلف التوجهات القومية والأممية، واليسارية والليبرالية، والتقليدية والحداثوية، وما بينهما، وعلى وقع ذلك سطع نجم العديد من الأفذاذ من مثل محمد مهدي الجواهري والشيخ محمد رضا المظفر المصلح والمجدد، ومحمود الحبوبي وصالح الجعفري ومحمد رضا الشبيبي ومرتضى فرج الله، والقائد التاريخي للحزب الشيوعي سلام عادل وغيرهم.
ومثلما تظل المدينة مفتوحة على الدوام للوافدين والمغادرين، وأنشطتها الاقتصادية عامرة، والأموال تدخل من شتى البقاع وتخرج، كل بوجهته ومبتغاه، هذه لن يدركها من لا يعرف أسارير هذه المدينة، التي لا تماثل باقي المدن الأخرى، فهي دينية ومدنية وثقافية وسياسية. وعلى مر الأزمان كانت أعين السلطان أو الحاكم والناس والمجتمع ترنو إليها، فهي مطبخ سياسي خلفي غير منظور، وفي أحيان أخرى هي مصنع للقرار.. هذا التراكب والتنوع، والمتشابه والمختلف، الديني والعلماني، كله يموج في فضاء المدينة، إلى حد التناقض أحياناً، حتى إن العديد من رموز وشخصيات هذه المدينة، كانت متبنياتهم العقائدية والأيديولوجية مفترقة تماماً عن صبغة المدينة، ومنهم المحتفى به، فهو العروبي الذي هتف في المظاهرات إبان العدوان الثلاثي وهو صبي، والماركسي القائد للحركة الطلابية الشيوعية.
وكما يقول شعبان: لا تُذكَر الشيوعية في النجف، إلا وهي تقترن بثلاثة أعمدة كبيرة هم: حسين أحمد الرضي (سلام عادل) الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، وحسين محمد الشبيبي (صارم) عضو المكتب السياسي، وصاحب جليل الحكيم (جهاد) سكرتير محلية النجف، والمفارقة أنهم جميعاً ينتمون إلى عوائل دينية معروفة، ولا سيّما (صاحب الحكيم) الذي ينتسب إلى عائلة المرجع الديني الأعلى (محسن الحكيم)، ومثلهم الكثير من أبناء وبنات العوائل النجفية المعروفة (آل الجواهري، آل الشبيبي، آل خرسان، آل الرفيعي، آل شعبان، آل بحر العلوم، آل عجينة، آل الدجيلي، آل الحكيم، آل سميسم.. إلخ)، حتى إن الشاعر الحسيني الماركسي عبد الحسين أبو شبع، كان يقود خلية من خطباء المجالس الحسينية.
من هنا ندرك هذا التنوع في الفكر والأيديولوجيا والتوجه، وهي مخرجات لتفاعلات كثيرة منها ما تجري في البيئة التحتانية وأخرى تطفو على السطح.
لقد أكسبته تجربة قيادة الحركة الطلابية الممثلة للحزب الشيوعي، ومقارعتها أساليب النظام في التهميش والاختزال والاختراق والإلغاء، الظهور على سطح التفاعلات المحتدمة آنذاك، كذلك وفرت له فرصة التواشج مع الحركات الطلابية العالمية، ومعه تعززت المكانة والدور والقرب من قيادات الحزب الشيوعي، وصولاً إلى المساهمة في بناء التوجهات والمواقف في محطات كثيرة.
ومع نهمه في قراءة المواريث الثقافية والفلسفية، فقد درس تراث الماركسية التقليدي منه والمحدث، وجال على أطروحات أغلب مفكريها، وهو ما أهله لنقدها لاحقاً، فالنقد عنده (موقعة ولملمة، وموضعة ومفهمة) كما يقول عبد الملك مرتاض، ومن هنا بدأ منهج التجديد وخطه المفتوح بلا حدود، والذي أراد أن يسقطه على مفاصل حياة مجتمعاتنا العربية، ليتلامس بقوة معها بغية إخراجها من الماضوية التي تلبست بها.
هذه المشاكسة أو المعاندة أو المقاومة وأحياناً ينعتونها بالتمرّد، قد ساهمت بتقوية عضده، وشدته أكثر للمواجهة، متخذاً من مقولة (ألبير كامو): إن الإنسان يصبح بتمرّده أقوى من المصير، وهي أيضاً تمثّل لحظة (وعي ومقاومة) بحسب (مظفر النواب). حتى باتت تتساكن معه، ومعها بدأ التحرش بالأبواب الموصدة حتى فيما يظنه بعضهم بالمقدس في التدين والأيديولوجيا، وبروحه التواقة نحو فضاء إنسانوي منفتح، رسّخ تمسكه بمشروعه الفكري التجديدي، ليكرس اهتمامه بالتغيير والتجديد والحركة والخير، مهمازه رفض التحجر والتكلس والجمود، متفائلاً (بقوة الإرادة لمواجهة تشاؤم الواقع) كما يقول (جرامشي).
إن صدمة (بشتاشان) شمال العراق، والتي وثّق شهادته فيها بمطبوع وسمه (بشتاشان خلف الطواحين.. وثمة ذاكرة، شهادة وليست رواية)، قد عجلت بنضج المعمارية التي بنى شعبان توجهاته عليها لاحقاً، وأزعم أنها كانت نقطة مفصلية له، لهذا أعاد ترتيب المنطلقات توسم توجهاته ومنها: الغرامشية من حيث ولادة المثقف العضوي، وما يترتب عليها من ممارسة (براكسيس) ثورية متحررة فكرياً، والديكارتية في منهج الشك المنتظم لإخضاع الأشياء إلى منطق النقد وليس النفي، والحكمة كما جاء بها الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس) ومبتغاها (معرفة الناس)، وجعل إظهار الفضيلة التي تعني (حب الناس) صنواً لها.
فالمعرفة بحد ذاتها (قوة وسلطة) كما يراها فرانسيس بيكون مؤسس المنهج التجريبي، ومن يتنازل عن سلطته فهو يتنازل عن إبداعه، وهذا له ترجمانه في التطبيق العملي عند المحتفى به، فمن خلالها يجد مساحة في الحوارات والصداقة والتوادد بحكم المشترك الإنساني. وهذا جزء مهم في سلوك التسامح، وهو القبول الشديد للمخالفة في الرأي، كما يعبر (فولتير)، فإذا كان رأي مخالفك غير صائب، فلا تكن أنت على خطأ عندما تتشبث برأيك.
والتسامح يعني القبول بمبدأ المساواة والتكافؤ، بقطع النظر عن الاختلاف القومي والديني أو اللون والجنس والأصل الاجتماعي، (فهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخَلْق)، كما يقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لأن (الإنسان مقياس كل شيء) بحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، وهذا كله ينهل من (اللاعنف)، الذي يضفي السلام بين البشر بكل تنويعاتهم، وهو إدراك وتقدير وتأكيد عن حاجة البشرية الآن إلى السلام، أكثر من أيّ وقت مضى، كما جاء عند المفكر الألماني (كارل بوبر)، وهذا جسّده من نحتفي به في كتابه الموسوم (فقه التسامح في الفكر العربي – الإسلامي) والذي قدّم له المطران جورج خضر، وقد تمت ترجمته إلى اللغتين الإنجليزية والكردية.
ولكي يتحقق هذا، لابد من أن تبنى أفكار وقيم وحوارات، توازيها صراعات ونضالات وكفاح لترسيخها، فالكلمة موقف وشرف وقضية وقيمة ورمزية، فالتسامح والسلام والتعايش، لها ديمومة أطول من السيف والبندقية، ومن العنصرية والهيمنية. فالكلمة الطيبة رسالة إبداعية في جماليتها، ومعبرة في ذاتها عن إنسانيتها، لهذا ظل شعبان حالماً في الارتقاء بالحق الإنساني والعدالة والتسامح والسلام، وقبول المختلف والتعايش معه، ومحاورته ومجادلته، إذ يرى فيها المشتركات المفضية للتطلع نحو الأمام، متخذاً من مقولة الفيلسوف الصوفي جلال الدين الرومي متكأ لتوجهه: (عندما تضيء المصباح الخاص بك، فأنت لست فرداً، بل الآلاف).
لهذا حظي باحترام لا حدود له في الاتفاق والاختلاف، فهو يُشكل على الليبراليين كما يُشكل على الشيوعيين والقوميين، لا يقبل تسويد الأشياء، ولا يقفز إلى الضفة الأخرى، فكلُّ نتاج عنده هو ابن مرحلتهِ التاريخية، وكلُّ شيء مرتهن بظروفهِ ومحركاتهِ، فهو واقعي ومتوازن في فهمه لِكُنْهِ الأشياء، ويحسب أن الأمور جميعاً تخضع لتطوراتها الطبيعية، ويجد في التجديد نزولاً إلى الأعماق، وسباحة ربما فوق التيارات السائدة، إنه يعشق أن يكون مميزاً ومثيراً في جدلياته، لأنه يرى أن الجدل والحوار هما روح الفلسفة ومحركاها من دون توقف.
وشعبان قارئ غير مقيد، فهو يرى بالقارئ والمقروء وثيقة ومدونة، لا تظهر قيمتها إلا بالقراءة، التي تعطي لهذا النص مضمونه وجسده، ومن دون ذلك مجرد ورق ومداد، والقراءة عنده تعني (رمرمة وحوم ورصد وغوص)، فمثلما قرأ لكارل ماركس، ولأبي الشيوعية (فريدريك إنجلز)، وروزا لوكسمبورغ (صقر الماركسية المحلّق) وغرامشي (مفكر السجون)، وكاوتسكي، وتولستوي ومكسيم غوركي، والنفري وابن عربي ومالك بن نبي، قرأ كذلك لشريعتي والبغدادي ولفضل الله وغيرهم، وأخرج كتابه (المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى)، وألحقه بكتاب (تحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف)، ومن ثَّم (الحبر الأسود والحبر الأحمر: من ماركس إلى الماركسية)، وهذه تعدّ إضمامات متفردة وثرية للمكتبة الماركسية ولليسار العربي، عندما وقف على النقد رجلاً من داخل الحركة، لينفض الغبار عن وهن الشيوعيين في فهم الماركسية وتجديدها، وليتجرأ بقوة ويتصدى بأسلوب علمي رصين لنقد الخطاب الماركسي الذي تبنته الأحزاب الشيوعية وبخاصة العربية، وحولت الماركسية من (منهج عمل وأداة تحليل) ذات حيوية ديناميكية، إلى قطع أثرية يتم الاحتفاظ بها. لكي يعيد للماركسية روحها والاعتبار لها، معتمداً مقولة ماركس نفسه: (كل ما أعرفه أنني لست ماركسياً).
ومع فلسطين نجمته ظل وفياً لأعظم قضية في تاريخنا المعاصر، وأميناً على مواقفه إزائها، ويعبّر عن ذلك بقوله: (القضية الفلسطينية أنبل وأعدل قضية في الكون)، وما أودُّ الإشارة له هنا، هو ما قالته (د.أوغاريت يونان) مخاطبة شعبان: «من هذا الركن (أيّ الدفاع عن القضية الفلسطينية).. أذهب معك إلى فلسطين»، فيما ذهب الروائي مروان عبد العال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالقول: (نتشرفُ ونعتزُّ أنَّه رفيقُ وحبيب فلسطين والجبهةِ الشعبيةِ لتحريرِ فلسطين، منذُ انطلاقتِها بعد نكسةِ حزيرانَ عام 1967، وهو من صفوة حوارييها الخُلّصِ، وأشهد أنه كان بمثابة العقل المدبّر، الذي يستشار في مواقفها وقراراتها ووثائقها)، هذه الشهادات بحقه جاءت بعد مواقف ترجمتها الوقائع والأفعال، إذ ساهم مع حقوقيين عرب في اعتماد الأمم المتحدة للمساواة بين (الصهيونية والعنصرية)، بقرارها ذي الرقم (3379) عام 1975، وكان مؤسساً وأميناً عاماً للجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة وعصبة مكافحة الصهيونية والعنصرية، ونشر كتابه (عصبة مكافحة الصهيونية ونقض الرواية الإسرائيلية)، الذي يساوي ما بين )النازية والصهيونية( فهما وجهان لعملة واحدة، مستندتين على أيديولوجيا الفكر العنصري الاستعلائي وإبادة الآخر.
وجاء كتاب (مذكرات صهيوني) ليكون مصداقاً لهذا التماثل بين )النازية والصهيونية(، ويعمل الآن على محاكمة دولية للكيان الصهيوني عن جرائم الإبادة التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين في معركة طوفان الأقصى، وسبق أن أصدر كتاباً بعنوان (لائحة اتهام: حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل)، وكأنه يدرك اليوم الذي تقاضى فيه إسرائيل في محكمتي العدل الدولية / الجنائية الدولية، ومن حسن الوصف قول الشيخ حسن شحادة: (إن شعبان قدّيس حريّة الكلمة، وهو صانع اللّوبيات القانونية والحقوقية من أجل فلسطين). أما الشاعرة والإعلامية الدكتورة نوال الحوار فتعبّر عن مواقفه إزاء القضية العربية المركزية بالقول: (كانت فلسطين جذره، ونجمته التي لا صباح من دونها).
وحكايات شعبان واستذكاره لرموز ثقافية وسياسية واجتماعية وفنية كثيرة تصعب لملمتها، والتي لا تعني بمن هم يشاركونه التوجه أو الموقف بل حتى المختلف معهم، ولم تكن مقتصرة على بلده وبلدته، بل هي شعاع مفتوح على الفضاء الإنساني كله، كما مع الجواهري الكبير، وأبو كاطع (شمران الياسري)، وحسين ارخيص، وناهدة الرماح (الأيقونة التي أعطت للمسرح عيونها)، وفهد (يوسف سلمان يوسف)، وسلام عادل، وعامر عبدالله، وآرا خاجادور، وصلاح عمر العلي، وعبد الإله النصراوي، وبدر شاكر السياب، وغائب طعمة فرمان، وهادي العلوي، وسعدي يوسف، وشاكر السماوي، ومحمود البياتي، ومصطفى جمال الدين، ومحمد باقر الصدر، وبحر العلوم، ومن العرب نجاح العطار (السنديانة الثقافية السامقة)، وعبد الرحمن اليوسفي، وأمين الريحاني، وأحمد بن بلا، وهشام جعيط، وشيرين ميرزو، وفاطمة أحمد إبراهيم، والطيب صالح، والملك حسين، والأمير الحسن، وإيناس مرقص، ومحمد حسين الأمين، ومحمد حسين فضل الله، والمخفي قسرياً (منصور الكيخيا) ومثله (العراقيان صفاء الحافظ ودارا توفيق).. وغيرهم في العديد من الدول العربية، ليقدم بحقهم شهادته تاريخية على مستوى من الصدقية والصراحة والموضوعية كما يقول، ومباني الصراحة عنده هو البحث عن الحقائق.
والشعر والأدب له مكانة في التذوق والتفاعل الوجداني العميق لدى شعبان، فهو يحفظ الكثير من الأبيات سواء منها القريض أم الشعبي، وقدم قراءات في: الجواهري في العيون من أشعاره، الجواهري جدل الشعر والحياة، وجواهر الجواهري، رحلة البنفسج عن مظفر النواب وغيرها، إلا أن خصوصية الجواهري ومظفر النواب بائنة لا تخطئها العين، برغم اهتماماته بشعراء آخرين من مثل بلند الحيدري وسعدي يوسف وحميد سعيد.
والمرأة والحب حالة متراكبة لا تستقيم الحياة من دونهما، ولا يمكن أن نقيم توازننا إلا بهما، فالحياة من دون المرأة (كما يقول شعبان): ليست إلا قفراً موحشاً يابساً بارداً، فهي تضفي الدفء والإنسانية على الإنسان، المرأة نصفي الذي لا توجد حياة بغيرها، ولا يمكنني العيش دونها، ففيها تتأنسن روحي وتكتمل إنسانيتي، وتتعقلن خطوتي.
لهذا يقول: أنا في حالة حب دائم، ومن دونه ستصبح الأشياء مضجرة وخاوية، فهو تعويض عن كل الحرمانات، ومكافأة عن جميع العذابات، وعندما أكون متيماً أنام بهدوء كامل.
يمكن القول إن هذا المتراكم من الإنجاز يؤسس وعياً فلسفياً ونقدياً معززاً بديالكتيك مكثف، يتزاوج بدواخله مشروع فكري وتنويري، والنقد فيه للبدايات أم للنهايات لا يمثل إلا محطات مراجعة دائمة، لتشكيل مسارات سهلة وواقعية وممكنة، كما التي يعتمدها الماء في تدفقه وجريانه.
ربما لم أحسن (التكثيف لأنه أصعب من كتابة نص مطوّل) كما يزعم إنجلز.
وعليه أعتقد أنه ما من قراءة مثالية ونهائية تدّعي كشفها مسيرة مفكر يقول في مبنى تواضعه: أنا مازال تلميذاً، وتلك مزية العلماء الكبار والمفكرين المبدعين.
في الخواتيم أتمنى صادقاً بأن تكون احتفاليتكم بهية بكم وبالمحتفى به، شكراً لوفائكم (فالوفاء توءم الصدق) كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفقكم الله لما يحب ويرضى..
والسلام عليكم
بغداد – العراق
22 / 6 / 2024
[1]- كلمة عكد في اللهجة النجفية الدارجة تعني زقاق.




+ There are no comments
Add yours