آثرتُ التوثيق – هنا – لهيبة وجمال ومتعة احترافيّة الاحتفاليّة التي أقامها اتحاد الأدباء السريان، تعاوناً مع المركز الأكاديمي في عنكاوا، ثلاثاء مساء الثالث من شباط الجاري، حول جديد إصدار الكاتب جورج منصور. وكان لي شرف تقديم ورقة تقييميّة، إلى جنب ما تماثل تقديمه من قِبل الكاتب مروان ياسين الدليمي، أثناء الجلسة التي أدارتها الإعلامية فالنتينا يوارش، بأن أعيد نشر كلمتي التقييميّة بجهوديّة هذا المنجز الجدير بالاهتمام والتملّي والتناول، لنبل وجدية وثراء ما حوت فصوله ومخرجاته من نضج معلومات وذكريات واعترافات ونبل تقييمات لجملة ما فات.
الكلمة بكامل نصّها أقول فيها؛
“السفر والترحال والموسيقى والرسم، كلها تهمس الحياة؛ مغامرة!، يرى الكاتب الأرجنتيني لويس غورغي بورخيس، النصف أعمى، بأن الكتابة ممتعة حتى وإن كانت عديمة الفائدة”، فكيف وحشرجات ذلك التساؤل المضني الذي أرّق – من قبل – “هاملت” في عبقرية وليم شكسبير المسرحيّة؛ “أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة؟!!”.
من هنا… لم تكن طيّات خوالج وسوانح استذكارات وسرديات جورج منصور بمأمن عن أشباح وأرتاح تلك الأسئلة التي فحص وقاس بها سنوات سيرته الست في موسكو متوجهاً إليها، بجواز سفرٍ مزوّر – أو معطوب حسب وصفه – هرباً من طيش وبطش نظام البعث للشيوعيين من رفاقه – آنذاك – بعد حصوله من قبل حزبه مع زميل له اسمه خالد بزمالة دراسيّة شاء لها أن تمتدّ للفترة ما بين أيلول العام / 1975 وحتى تموز العام / 1981 لينال بعدها الماجستير من كلية الاختصاص في هندسة تكنولوجيا الطباعة، إلى جنب ميوله في دراسة الفلسفة وحصوله على دبلوم عالٍ من إحدى معاهد موسكو ضمن الدوام المسائي.
وعلى نحو ما حوى وسار في تتبع دقائق تفاصيل التفاصيل ممّا صادف وعاش، بشهية سرد كل ما حدث له وحصل أمامه إبّان تلك السنوات المدهشة بعذوبة حلوها وعلقم مرّها، على منوال إصداره المعنون “غيمري .. كدتُ أصبح إماماً” الصادر بطبعته الأولى نهاية العام / 2025 عن دار المدى ببغداد.
تتوافد سرديات منصور وتتدفق بوهج سيول روح تلقائيّة، نقيّة مرحة حتى في أدهى إحراجات ما واجهت، كابرت وكابدت وتحدّت وصولاً إلى ما هو عليه الآن من نصاعة تأريخ حافلٍ مزهوٍ بوقائع منجزات برعت تمتدّ وتسمو على امتداد مراحل متعددة، خاض غمارها ما بين منفى ومنفى وسجن وغربة واغتراب وغيرها من متقلبات الحياة ونوائبها.
إن ما يميز أسلوب هذا الأب والمعلّم الأفلاطوني على امتدادات كتابه المجتمعون نحن – اليوم – من أجله واحتفاءً به، سهولة السرد وانسيابية الرصد ويقظة الإمعان في الكشف والتدقيق في أدق تفاصيل الموضوعات التي تناول فيها مختلف الأمكنة وطاف في المدن التي زار ووطأ خلال تلك الرحلات السندباديّة، وما شاء يشرح ويُدلي بالمعلومات الثرية والدسمة سواء أكان منها ما يتعلّق بالتأريخ أو الجغرافية والشواهد الحضارية والمواقف الإنسانية، ناهيك عن تناول ذكر الأطعمة وطبيعة الدعوات والمأكولات، وفهم العادات والتقاليد والمصادفات اليوميّة بحس بانورامي متقن، كما لو كان يحمل – على الدوام – كاميرا يسجل بها ما شاء أن يرويه.
لا بل وما رواه لنا بصدق حرص وبراعة إتقان قلّ نظيره في عوالم السرد وتقنياته، كما ورد وجاء وتحقق في متون سيرة كتابه هذا، مستشهداً بالكثير والمثير من الحِكم والأقوال والعبارات والتوضيحات لفلاسفة وحكماء وكُتّاب من مختلف المشارب والملل والاتجاهات الفكرية والروحيّة، كاشفاً عن خزائن معلومات وذخيرة ذاكرة حيّة ونابضة بكل ما هو مفيد ونافع، سرعان ما تتوافد بشكل سلس، عذب تلقائي، يزيد من وشيجة العلاقة ما بينه والقراء، وبما يناسب روح الوعي الناضخ، وجداره المثول بالتوثيق الذي يعتمدّه ويُعمّده بينابيع المعرفة والحب والكبرياء الخالص، وبالحس الوطني الرصين، المحاط بالكرم وحب الأصدقاء والوفاء لهم على نحو نادر وأصيل.
أتراني قد بالغت بوصف هذا الكاتب الكبير والسياسي المحنك والإنسان الخالص الروح والنوايا والتطلعات النبيلة، وغفلت كثيراً عن جوانب العرض والتدقيق في ثنايا ونسيج ما حوى وتناول في كتابه الأثير، وما طرح من خفايا حقائق وتلميحات نقد بنّاء حقيقي وراكز حتى للعقيدة التي انتمى وأخلص في حمل مشاعلها طوال عمره، مدافعاً عنها حتى الرمق الأخير؟
ولعل من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة، لا شك سوف يرى الحاضر والمستقبل بعين خاطئة أيضاً. ومن هنا ما أنفك هذا الكاتب والمترجم والإعلامي الحصيف أن يخرج ألسنة أسئلته اليقظة، في زمن تتقدّم فيه الأجوبة وينهزم السؤال بحسب أدونيس، أو كما أشار أفلاطون قائلاً؛ “لو أمطرت السماء حريةً، لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات”.
أم تراني قد انصعتُ طوعاً في زخ عواطفي نحو سيرة هذا الرجل – الجبل الأشمّ جورج منصور – على وفق ما أفاد نيتشه قائلاً؛
“ما قيمة فضيلتي، إن لم تجعل مني إنساناً عاطفيّاً”.
+ There are no comments
Add yours