الدوحة.. بعيون سلطان الخطيب

بحبر / رئيس التحرير

نبض المُدن يذوب ليسري في عروق مُحبيها وعشاقها الحقيقيين، لكل مدينة نصيب من دبق الحُبّ و”أكسير” الألفة وألبوم الذكريات في نفوس قاطنيها ومن يُقيم فيها وتلبّس سحرها، منها ما قد يصل حدّ الوله، وما يتجاور وحدود الإدمان. كنتُ قد أدمنت محبة مُدن عدّة وحواضر ترآى بعضها وتوسّد هجيع خواطري، فيما تململت أخرى وتغلغلت في ثنايا الروح حدّ ما تركت بحضورها الآسر – عندي – ما يجعلني أتوق إليها وأشتاق، فيما يبقى القلب ينوء ويلهث نبضًا صوب بغداد، مرادي وصرخة ميلادي، بدوام دبيب شوق دائب ودائم لها، أينما أولّي وجهي شطر مدن أخرى شاءت وتناوبت على مدى مُدد أسفاري وترحالي، أينما أحل وأكون وأحلم وأروم.

لأسمع صوت “أبي تمام” شاعر التجديد، رسّام الكلمات الأمهر والصور الأبهر، يتهادى هامسًا في أذني:

“نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبدًا لأول منزل”.

لم تسنح لي فرصة زيارة “الدوحة” إلا في الأيام الأخيرة من عامنا الماضي، مكثتُ فيها بحدود عشرة أيام، وشاء أن أعقبتها زيارة ثانية في عاشر أيام شهر كانون الثاني – يناير – هذا العام، طالت قرابة أسبوعين، وجاءت كلما لو إنها تكملة لشريط مسلسل شاهدتُ فيه فتنة هذه المدينة التي تحدّت وعاندت البحر بأن تشيد عليه وبالقرب منه.

تُحف هذه المتاحف والمباني والمنشآت العملاقة بطُرزها المعمارية الهائلة، والنُصب النحتيّة المذهلة، مصمّمة بنبوغ عبقرية أشهر الفنانين والمعماريين من أرجاء عوالم الفن، وعناوين تحضّر الذوق ورفعة المكانة، كتلك التي تحفّ بها “الدوحة” وتحفل شدوًا وسموًا، ألقًا واتزانًا، تنظيمًا بارعًا ساحرًا وأخاذًا حتى ليكاد يباهي ويضاهي أجمل وأعرق بلدان وعواصم العالم من تلك التي ظلّت صورها ومعالمها ومباهجها وأجواؤها عالقة راسخة في ذواكرنا ونسيج ذوائقنا.

ما كان عليّ تبنّي التذكير في ذكر حقيقة ما قام وحصل وتسامى في نهضة دولة قطر بنهجها الحضاري والعمراني، وبراعة تنظيمها المشهود له فيما يخص بطولات عالمية وعربية، أنصعها وأبرزها احتضانها لدورة كأس العالم لكرة القدم في العام / 2022، وقبلها دورة الألعاب الآسيوية عام / 2006، عدا بطولات كأس الخليج العربي، وآخرها كانت بطولة كأس العرب.

لعل ما أبغي وأروم بعد سرعة وبساطة هذا الجرد العام يتجلّى وصولًا لغاية وجوهر معنى الإشادة ومحتوى الإفادة من مثالية ودراية وخبرة كمية وقيمة المعلومات والإرشادات والجهود التي هالها عليّ، وأتحفني بها صديقي الموسيقار والمايسترو د. سلطان الخطيب، المستشار الثقافي في المؤسسة العامة للحيّ الثقافي المعروف باسم “كتارا”، عبر التعرّف والتملّي بأدق وأشمل وأعمق تفاصيل وحيثيات ما حوت الدوحة ووصيفاتها من المُدن القطرية من شواهق معالم ومبانٍ ومتاحف وملاعب رياضية ومؤسسات ومنشآت، بل حتى ما جاء يتعلق بالأنظمة المرورية الجادة والفاعلة في تفادي الأحداث ورصد المخالفات بأدق أساليب الحداثة الإلكترونية، مقرونة بقوة الدقة والمتابعة بغية الحفاظ على هيبة القوانين وأحقية واجب احترامها وتنفيذها على أتمّ وجه حرص ونصاعة صورة.

يحذو بي – بعد كل ما ورد – أن أعود لأعيد ما كتبته في نص عنوان هذا المقال، وأنا أضيف لتصبح العبارة على نحوها التالي:

“لقد رأيتُ الدوحة بعيون سلطان الخطيب”.

ح.ع. الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours