رنده كمال ابو حسن
نشأنا على فكرة أن الكبير هو من له سلطة ونفوذ، ومن أراد اللّعب بألعاب الكبار، عليه أن يتقن إحدى الفنون الكبرى كالسياسة، والإقتصاد، والمال، والربح، والشهرة، وأمور الدين والمجتمع وغيرها من الفنون التي ليس هناك من سلطة لحصرها الاّ بمدى خضوع الفكر البشري وتماهيه مع نتائجها.
في الوقت الذي نشهد فيه واقعاً مظلماً، تأتي علوم الفيزياء لتبرهن بأن الظلام لا وجود له إلا بإنعدام الضوء. وبالرغم من موجات البرد والصقيع التي تجتاح أحاسيسنا ومشاعرنا في ظل ظروف غير إعتيادية، تعود علوم الفيزياء لتؤكد بأن البرودة لا وجود لها الاّ من خلال إنعدام الحرارة. معادلة قد تبدو صعبة، إذا افترضنا أننا نعيش واقعاً لا وجود له حسب النظرية العلمية. لكن أيُعقَل ان تكون حقيقتنا إفتراضية تتغيّر وتتبدّل تبعاً للمعطيات الموجودة؟
قد تكون الظروف التي نعيشها مؤشراً قوياً لمرحلة جديدة من التحوّل والتطوّر، ربما تكون مرحلة إنتقالية نُغلِق فيها دائرةً من دوائر الحياة لنبدأ بأخرى، نقول ربما لأنه لا أحد يمتلك الحقيقة، إذ من السهل الحديث اليوم في حقول العلوم والنظريات وما آلت اليه من نتائج مذهلة، طالما نجد فيها ما يلبّي فضولنا الفكري والتوق لإكتساب المعرفة. لكن الواقع يتحدّث بلغة مختلفة. فبالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي، هناك ايضاً تقدّماً غير مسبوق في أساليب القوّة والتشرذم والعنف. واذا اعتبرنا ان واقعنا اليوم هو تجسيد وإنعكاس لأفكارنا وحقيقتنا، فأي حقيقة نعيش؟ وماذا ننتظر بعد؟
لكل مرحلة معطياتها الخاصة، وبغض النظر عمّا ستؤول اليه معطيات ومؤشّرات المرحلة القادمة، فلا شك بأنها ستكون نموذجاً مختلفاُ بممارساته وأنشطته وتقنياته وتفاعلنا معه. نموذجاً جديداً من “الذكاء”، نعم من الذكاء الذي يفرض نفسه بجرأة وبسرعة تذبذب Frequence de resonance عالية جداً لدرجة يصعب على الكثيرين تحمّل تداعياتها ونتائجها، لأنها تضعنا وجهاً لوجه بمواجهة الحياة بكل مكنوناتها الطبيعية، وبكل مقوّماتها التي تتقاطع في كل الإتجاهات، مخلّفةً تأثيراً ثقيلاً وصعباً على الكثيرين، لا بل تعمل على الغاء أيّ كائنٍ لا يتوافق معها ومع قوانينها. فالحياة بالنهاية إستحقاق يتطلّب معرفةَ وحكمةَ ووعي بقوانينها أي بقوانين الطبيعة، وبجوهر الإنسان بإعتباره تجسيداً لهذه القوانين ولهذا الذكاء الكوني غايةً ووسيلة.
نحن نجتاز أزمة وجوديّة، لا بل إمتحان وجودي. والمخرج الوحيد لأيّ أزمة لا يمكن ان يكون الاّ بالصحوة والوعي لحقيقة واحدة لا تزال غافلة عن أعين وقلوب الكثيرين ، وهي ان الواقع ليس الاّ صورة معكوسة للأفكار والنوايا. وقد أثبتت النظريّات العلمية والدراسات بأن الإنسان لم يعد له وجوداً منفصلاً عن الكون ، إنما هو جزء لا يتجزأ من هذا الوجود الكلّي المطلق ، فحقيقة الإنسان مطلقة بينما واقعه نسبيّ. وان اي أزمة مهما كان نوعها أو شأنها، لا بد أن تنشأ عند نقطة الإنفصال بين النسبي والمطلق، او بين المادة وجوهرها، او بين الفكر والقلب. فكلاهما وجهان لحقلٍ واحدٍ موحّد من الوعي الصافي ومجال أساسي لذكاء الطبيعة الذي يولّد الكون ؛ وعلى الإنسان ان لا يُهمل هذا الجانب، بإعداد البيئة الملائمة له، والداعمة لتفتح وعيه باتجاه حقيقتة المطلقة. وهذا ما يدفعنا للتأمل والتحليل في أمور كثيرة ومنها أن التطور والتقدم الذي نشهده اليوم في مجالات عديدة من الذكاء أو ما يُطلق عليه بالذكاء الإصطناعي AI، ليس الاّ حدثاً طبيعياً له قوانينه الموجودة في صميم تبلوره، فهو لم يأتِ من خارج الإنسان، بل أنه ظهور لما حوته طاقة الحياة بالإنسان، ولما هو مُستبطن ومغلّف في جوهره اللطيف وهويته الأصلية منذ انطلاق الكون.
وهنا لا بدّ من ذكر ما قاله يوماً المعلم كمال جنبلاط في كتابه ثورة في عالم الإنسان : ” اذا كنا سنهمل جانب الطبيعة ونخالف قواعدها وسُنَنِها الاصليّة، نكون قد منعنا ولادة النجيب ، أو نجعله مولوداً سفّاحاً، ميتاً عند ولادته، أو نكون قد قضينا على انفسنا بالتوقف والتحجّر”
من الجيد أن نتسلح بالعلوم والمعارف التي تخدم تطورنا وتلامس أبعادنا الانسانية، لكن مع إدراك الأمور بحقيقتها، تفادياً للتضليل والتعتيم على حقائق قد لا يُراد لنا معرفتها. فالوعي هو الوحيد القادر على جعل الفكر البشري يتمدَد ليكتسب صفاته المطلقة وقدراته في التمييز بين الوهم والحقيقة، وإستيعاب معنى أن نكون كباراً بين الكبار، مع فارق بسيط في الإدراك واختيار المناسب. علّنا نُصبح قادرين على التمييز بين ما نراه ظلاماً من جهة، وبين تردّدات موجات ضوئية معينة، يصعب التعرّف عليها لأنها تفوق قدرة العين في التقاط إشاراتها فتحولها الى لوحة سوداء.
كاتبة وباحثة في اللّاعنف وحقوق الإنسان – لبنان
+ There are no comments
Add yours