هندسة الخوف .. “عيد الصّرخة”

بحبر/ رئيس التحرير

في نصٍّ شعري قصير ومُكثّف، كنتُ قد كتبته ونشرته صيف العام / 2004، أي بعد مرور عام على الاحتلال الأمريكي للعراق، أقول فيه:

أخاف .. أخاف
قلتُ؛ أخاف
أخاف على النهر من نفسِه
أن يستفيق – يوماً – ولا يجدُ الضفاف!

 

استهلال كهذا أستدلُّ به خطى ما أنا عازم عليه، بما يتعلق بمشاعر الخوف بشقيه المكتسب والموروث، كما درسناه في سنوات دراستنا لعلم النفس في كلية الآداب – الجامعة المستنصرية، ثمانينيات القرن الفارط على حدّ تعبير إخوتنا في المغرب العربي. ثلاثة مخاوف تولَد مع الإنسان منذ صرخة ميلاده الأولى لتشكل ثالوثاً وراثياً على مدى مراحل حياته، وهي: “الخوف من الصوت العالي المفاجئ / الخوف من فقدان السند أو الإزاحة / والخوف من الألم”، أما بقية المخاوف فهي – على الإطلاق – مكتسبة. يعني أن الخوف يمكن أن يكون متلازماً، مصنوعاً في الكثير والمثير من الظروف وتقلبات الأحوال، وفق مقتضيات مصالح معينة، وغايات تنشدها هذه الجهات، أو تلك. فهو “أي الخوف” يُسهم في صناعة الطغاة، بل هو من يجعل الناس أشراراً.

في حيثيات ومصبات كتاب الفيلسوف والشاعر والسياسي المكسيكي الحائز على جائزة نوبل للآداب في مجال الشعر للعام / 1990 – 1991، أوكتافيو باث “متاهة الوحدة”، نرى كيف يتعمّق مفهوم وخواص “الوحدة” من حيث هي العمق الأخير للشرط الإنساني. فالإنسان، بحسب فهمه وثقة زعمه، هو الكائن الوحيد الذي يشعر بالوحدة، هو الذي يقضي حياته بحثاً عن الآخر. وبحجم وكثافة وعي “باث” الكاشف لطبيعة معارضته للفاشية، حتى في أشدّ نعومة وترف حريرها الناعم والأملس، يضعنا أمام واقع وحقيقة نوازع إنسانية لم نكن نستشعرها، من تلك المتعلقة بشعوب حضارة “الأزتيك” التي ينتمي إليها، بالأخص ما يتعلّق بحيثيات ثراء تجربة كونيّة مثيرة، بالنسبة لنا نحن العرب – على الأقل.

وعلى حثيث سعيه في فضح دواخلنا المخفية بالنسبة لعموم البشر، فثمة تعريف فلسفي دقيق يرى بالإنسان كائناً ذا تأريخ، يتفرّد به عن بقية الكائنات، ثم عن مدى مقتربات الموت من مشاعر الشعور بالوحدة، وفق منتخبات هندسة الخوف. فضلاً عن موضوعة المرأة والحب والشعور بالوحدة ونواتج الغربة وتشظيات الشعوب بمختلف عوارض حضاراتها السحيقة، التي تفتّتت بشكل وحشي بعد وصول كريستوفر كولومبوس لأمريكا واكتشافها في العام / 1492. وليسير العالم على خطى هذا التخبّط المستمر، يتماهى أوكتافيو باث مع مقدرات شعبه وفهم دواخلهم، معللاً بالقول: “نحن – يقصد المكسيك – نثمل كي نبوح بما في دواخلنا، وهم – يقصد أمريكا – يثملون رغبة في النسيان، كما أن الشعور بالوحدة لا يعني شعوراً بالدونية، بل شعور بالاختلاف”.

ولا ينسى بأن يستذكر – على سبيل المثال – ما يُعرف عندهم بـ “عيد الصرخة”، ذلك العيد العجيب الذي تخرج جموع الناس المهتاجة يوم 15 أيلول من كل عام في ساحات المكسيك قاطبة، لتطلق صرخاتها المدوية بأعلى ما تملك من طاقة وقوة. ولعلها تفعل ذلك – وفق تعليله التحريضي – لكي تحسن الصمت – بعد ذلك – طوال العام!

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours