كَتَبَ/ حسن عبد الحميد
“ينبغي لنا أن نلتقي كثيراً.. لو أردنا أن تَبقى أجنحة الفراشات لامعة.. فإن عليكَ أن لا تلمسها”
ب. بيكاسو
يعتقد البعض من النُقّاد والمهتمين بأن الفّن ليس حقيقة، بل كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة!! كيف يمكن لمثل هذا الفيض من الكلام النابع من ثنايا عقول جدليّة، منتجة للثقافة والمعرفة، أن نتقبّل منها مثل هذا التوريد والتعميم من التفكير، والذي – ربما – هو الأقرب للفنتازيا وفعل التحريض والحث على توسيع مداركنا وأخيلتنا، من مجرد النظر إليه – هكذا – بلا أدنى تساؤل، وبأبسط تأويل؟!
بيد أني ألمح وأراها تقف وتسمو، أعني أسباب ودواعي تلك المداخل، وما سبقها من عبارة لـ”بابلو بيكاسو”، التي تصدّرت مقدمة هذا المقال الرامي صوب الدخول لمجمل ما حواه المعرض الشخصي الحامل للرقم (22) للفنّان المنتج، والمبدع محمد فتّاح، الذي أقيم يوم الثامن من شهر أيار/مايس هذا العام، على قاعة “أمنه سوره كه” في مدينة السليمانية. من حيث “أي المداخل ذاتها” قد تأتي بمثابة سواند وركائز واحتمالات تبغي وتروم إثارة أفعال تحريض – كما أشرت – وتحفيز وتفويض لمدى قدرات وإمكانات، عرفاناً بجدية تجربة إبداعيّة راسخة، واثقة، عميقة الأصل والجذور، ليس على صعيد المشهدي التشكيلي الكوردي فحسب، بل عموم معطيات الفن التشكيلي في العراق.

تواثب وإصرار
يؤكد محمد فتاح – مجدداً – وبما يُفضي نحو تواثب عمق مناسيب ملكاته وآفاق تصوراته وتنوّع رؤاه، على ضرورات توسيع مديات تطلعاته وشواهد وعيه، تمهيداً ومسعىً إضافياً لمجمل ما أجاد وأنجز. وهو بذلك بات يضيف بُعداً آخر لمجمل أبعاد تجاربه المتعدّدة والمتنوّعة، بما يتضح ويتجلّى وخواص مرتسمات معرضه الفخم هذا، بكامل هيبة وأبهة محتوياته، ومختزلاته النسقيّة والأسلوبيّة، حيث ما برح يوثّق ويُعمّق من قُدرة تلك الملكات والمُخرجات البصريّة المنضوية تحت ثريا عنوان “مائة حكاية وحكاية”، والحاوي – بثقل ثقة ومهارة امتياز – على (101) عملٍ فنيٍ متسق ومُحنّك، وبقياسات متعددة واتجاهات أسلوبيّة بتقنيات مختلفة، تحاكي وتستنطق مواضيع الأرض والبيئة وإنسانية الإنسان بوقائع شتى، تتداخل في حيثياتها علاقات تواشج واندغام ما بين نباتات ووجوه وطيور بهيئات خرافية توحي بالزوال والانقراض. كل هذا وذاك وغيرها من موضوعات تُثير لتُثري ذائقة المتلقي وتفتح شهيته للتأمل والتفاعل والفضول.

حفل المعرض بطريقة عرض باهرة، دقيقة ومحسوبة، كونها متأتية من لوامع خبرة فنّان ذو باع طويل، يتمتّع بمهارات ومناورات، محسوبة هي الأخرى، في مرامي توزيع اللوحات وفق قياسات واقع أحجامها وتناسق موضوعاتها، بما يعطي للمُشاهد والمتابع والمتتبع والمختص – على حدٍّ سواء – فرصة التملي في كشف وفحص طبيعة وتوجهات ما حوت واحتلّت الأعمال التي غطّت لتشمل جميع جدران القاعات الثلاث بمساحتها وحجومها المختلفة من أصل مساحة الحجم الكلي لممرات ومباني “أمنه سوره كه”، المكان الذي تحوّل من بناية مخاوف مديرية أمن السليمانية أيام النظام السابق، إلى مركز ثقافي عصري وحضاري بعد انتفاضة العام /1991.

حدث نوعي
شاء أن شهدت القاعة الرئيسية للمبنى بواقع ملحقاتها جرأة وأهمية هذا الحدث النوعي، الجمالي والفكري، الذي اضطلع به الفنان – المثقف محمد فتاح بكل ما جاء يحمله ويتحلى به من سمات وقدرات، وأثر ما أكتنز من لوازم وتعزيزات خبرة، وجديّة جدوى تكلّلت بمهارات ودقة مراس ومهام تجريب على مستوى عالٍ من الحرص والتواصل.

لعل ما أفاضت به حصيلة محتويات معرضه – المعرض هذا – هو تلخيص لما جاء وحمل من دوال وخواص إبداعية قادرة أفضت لتمرير الكثير والمثير من موضوعاته المتعلقة بالبيئة وقدر الإنسان وحقه في العيش والحياة. إذ اتضح وتماهى كل ذلك وتماثل على منوال عقود متواصلة من عمل وحث وتفكير مواصلة من أجل تحصين وترصين قوائم تجربة الفنّان كي تتسم وتنسجم مع تطلعات الحداثة وفهم متطوّر لنواحي الحياة، وبما يضمن أثر وضوح ورسوخ تبلّوراتها، على نحو ما هي عليه – الآن – بفعل سيل وفيض من ممارسات وتنويعات واثبة في محراب تخصّص دأب ودائم في خصائص الرسم ومجاوراته، منطلقةً من إتقانه لفن “البورتريه” الذي يميّز فيه فتّاح، كذا الرسم الواقعي والطبيعة عبر مغريات ما يسكن البيئة وبهجتها، وعي حاذق، فضلاً عن مزاولته لفنّ الكاريكاتير بأنساق احترافية، إلى جنب متعة التخطيطات على الورق، لكي يزيد ويضاعف من قوة المرونة وثقة الاتساق في بنائيات أعمال متميزة واثقة على مختلف تنويعات التقانة / فلسفة علم الجمال / علم النفس ثم بقية الفنون، الواضح أثرها في نسيج مداخل ومخارج أعماله.

حدث أن تسنّى لمحمد فتاح أن عمل بالصحافة من خلال دأب عمل يومي، وذاق حلوها ومرّها، مضاءً بوهج مباهجها، غائراً في متاعبها – بذات الوقت – لكنها كانت بمثابة فرصة طيبة وثمينة، قد لا تُتاح لغيره من التشكيليين، مثلما أُتيحت لمحمد فتاح. وعلى هذا القدر الفاعل المساند والمساعد لدأبه وحقيقة مواهبه في تحقيق رؤاه وعصارة أفكاره، وصدق تطلعاته في تعميق صلته المصيرية مع الرسم، الذي أضحى الغاية والمسعى في الحياة ومعنى الوجود.
لذائذ الرسم
وهذا – في اعتقادي – وطنّي أحد أهم دواعي وأرهاصات ما اتسمت تجربته على مدى طبيعة حقائق منجزاته فوق أرض الواقع، متمثلةً بغزارة ودقة إنتاجه، مقروناً بكفاءة عالية وتميّز حقيقي واضح، من مستوى الفكرة وأهمية الموضوع وتقانة التنفيذ وطبيعة الاعتناء والإخراج الفني والضمني، عبر مأرب كل ما أنتج من خوالص وسوانح منجزات اقترنت باسمه، زهت وتوثقت في سجلات التشكيل العراقي بحضور أثير.
بقي محمد فتاح مخلصاً للرسم الخالص مسعىً وهدفاً، روحاً وانتماءً، وفيّاً لخصائصه واستخدامات مواده التي ينفّذ بها، ومن خلالها، موضوعاته ومشاريعه البصريّة، بما يتعامد ودرجات أحاسيسه الرهيفة والرائقة وتماهيات ذاته الطيعة، والخصبة مع موجودات الطبيعة، البيئة على نحو خاص، والتي شكّلت هاجساً تداولياً يشي بفهم تناغم وتلاقي وانسجام وميل انفتاح على ما هو قادم ومتوقّع، وبما يرنو ويتوافق وهواجس ودرجات تحسّسه الإنساني والوطني، والذي يكاد يندغم فيه ويتداخل الخاص بالعام، إلى درجة يُعصب الفصل بينهما. فما من حاجزٍ أو مصد – فعلاً كان أم وهماً – باستطاعته أن يعيق حالات الانسجام والتنامي التي يتقصّد توريدها وخلقها محمد فتاح في نسيج لوحاته المدركة لأهمية نسق الوحدات والعلاقات، بما يجعل من اللوحة حيوات نابضة، تلهو بزهو مرح طفولي – تلقائية تتراوح فيه نوبات حزن شفيف، وبعض حالات من أسى يتأسى بنشيج حنين شوق دفين قديم، ربما قِدم تأريخ الإنسان نفسه، وتواكب قوافل أحزانه ومسراته، عبر كل ما عانى ورأى وعاش.

ليس بالرسم وحده يحيا الفنان… هذا ما قد يتيسّر للرائي إبصاره، في مدخرات وخزائن ما تحمل وتكتنز مخيلة محمد فتاح، وما تجود به قرائحه النفسية والذهنية والفكرية. فهو دائم التخاطر مع ذاته وفهم وهضم وحدات بيئته والمحيط، حتى إنه لا يكاد ينقطع عنها أو يغيب، لكن سرعان ما يعود إلى ذلك الرحم الروحي “أي الأرض.. التي وُلد، وما عليها من موجودات وأثر وذكريات”، والرحم الذي خرج منه، وظل في كثير شوق وحنين إليه، قائم ودائم. من هنا… نراه يحاول ساعياً إلى تطويع وتطوير خزائن ذاكرته – تلك – محاولاً استرجاعها متى ما شاء واقتضى الظرف والحال، وبما تقتضيه نواتج ومرتهنات عمليات الخلق ونوازع الإبداع، بحيث تفيض لوحات محمد فتاح، وبوافر أعماله – التي يُصعب فرزها وفحصها وتقويمها، تقويماً نقدياً بهذا الحيّز من مساحة كتابة هذا المقال، فضلاً عن عددها الكبير، نسبياً – بنوع حذر من علائم التشخيص وأطر التدقيق في تفاصيل كائناته، وموجوداته المنفّذة بعدة وسائل وتقنيات “كولاج – خطوط – معاجين – أحبار ومواد أخرى”، وبتلك الوجوه الواجمة التي يقترحها، ثم سرعان ما يباغتها بحذف بعض من ملامحها، أو شطبها، بل بإلغائها من ذهنه، أملاً بدعائم الظفر بنوع من تلك المتعة التي تضاهي حقيقة ذلك الغموض الحيوي والخلّاب، الذي يغمر به عوالم أعماله، بحاضر ثقة وعمق اعتداد.










+ There are no comments
Add yours