مهرجان بابل الدولي: حيث يلتقي 80 وطنًا تحت قوس الحضارة

بقلم / ايهاب عنان
مدير التحرير

في قلب بلاد الرافدين، حيث تهمس الأحجار بما لا تقوله الكتب، وحيث يُصبح الغبار طيفًا لحضارةٍ لم تغب، تعيش مدينة بابل هذه الأيام لحظاتها الأكثر وهجًا، وهي تستضيف الدورة الثانية عشرة من مهرجان بابل الدولي للثقافات والفنون العالمية. هذا الحدث، الذي يختتم فعالياته مساء السبت 19 نيسان، لا يُعدّ مجرّد مهرجان، بل تجلٍ حيّ لذاكرة ما زالت تنبض تحت كل لبنة، ومع كل نغمة.

تحت شعار “كلنا بابليون”، وبدعم ورعاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، انطلقت الفعاليات وسط حضور رفيع المستوى من مختلف القارات، في تظاهرة ثقافية لا تُشبه إلا بابل نفسها: مزيج من الشعر والموسيقى، من الحنين والتجديد، من التاريخ والدهشة.

قلب المهرجان النابض: الشاعر الذي أحيا المدينة

وراء هذا الحدث الكبير، يقف شاعر حمل بابل في روحه، ونقشها في رؤاه الثقافية: الدكتور علي الشلاه، رئيس المهرجان، الذي أثبت أن الشِعر لا يُقال فقط على المنصات، بل يُمارس على الأرض، بتنظيم متقن، وبُعد إنساني عميق، ورؤية ثقافية جعلت من المهرجان حدثًا يليق بعظمة المكان.
لقد كان دور الدكتور الشلاه محوريًا، ليس فقط كمنسق ومدير، بل كمُلهِم جعل من “بابل” عنوانًا لحوار حضاري عالمي، ومن المهرجان منبرًا يتجاوز الفولكلور إلى ما هو أكثر جوهرية: استعادة الروح العراقية وتقديمها للعالم، قوية، مبدعة، ومسالمة.

المدينة التي ارتدت فساتين اللغات

من اللحظة التي بدأ فيها المهرجان، بدا واضحًا أن بابل ليست مجرد موقع أثري، بل قلب نابض يستقبل أكثر من 400 فنان ومبدع من 80 دولة، جاءوا محمّلين بفنونهم ولغاتهم، ليذوبوا في فسيفساء ثقافية ساحرة.
السجادة الحمراء التي افترشت الأرض أمام الضيوف، لم تكن مجرد بروتوكول، بل مشهد رمزي لبابل وهي ترحّب بأبنائها من كل الشعوب.

وقد شملت الفعاليات عروضًا موسيقية عالمية شاركت فيها فرق من إسبانيا وتركيا وسويسرا، وأوركسترا العود العراقية بقيادة الموسيقار مصطفى زاير، ومعارض فنية وشعرية وكتب وصور فوتوغرافية، جسّدت تعدد التجارب وتلاقح الثقافات.

منير المعاصيري… والرسالة المستمرة

وفي لحظة مليئة بالشجن والتقدير، تم تكريم الفنان منير المعاصيري، أحد أبطال الفيلم الملحمي “الرسالة”، في إشارة إلى استمرارية الرسائل النبيلة في الفن، وتكريم الرموز التي أثرت الوجدان العربي، وبقيت حيّة في ذاكرة الأجيال.

كتارا… وعبور المدن إلى الثقافة

جائزة بابل العالمية للمدن الثقافية ذهبت هذا العام إلى “الحي الثقافي – كتارا” في دولة قطر تَسَلّمها الموسيقار د. سلطان الخطيب، اعترافًا بدور قطر الرائد في إثراء المشهد الثقافي العربي وتعزيز التبادل الحضاري. لحظة تؤكد أن المدن، مثل البشر، تستطيع أن تتكلم حين تُنصت لها الثقافة.
وفي لفتة رمزية تنضح بالعرفان الثقافي، قدّم الحي الثقافي – كتارا هدية تذكارية إلى مهرجان بابل، تمثلت في مجسم أنيق لمسرح كتارا المكشوف، المصنوع من معدن ثمين، باعتباره أيقونة معمارية تجسّد روح الفن في الدوحة. وقد أضفت المصادفة بُعدًا شاعريًا على هذه اللحظة، إذ بدا المسرح القطري، في تصميمه المفتوح وشكله النصفي الدائري، شبيهًا إلى حد كبير بالمسرح البابلي العريق، وكأن الفنون تعيد نسج خيوط التشابه بين حضارتين تلتقيان على خشبة واحدة: خشبة الإبداع.

فلسطين ضيف الشرف… والبياتي الحاضر الغائب

اختيار الثقافة الفلسطينية ضيف شرف للمهرجان، كان قرارًا يلامس الوجدان الجمعي للأمة، ويعكس انحياز المهرجان لقيم العدل والجمال والهوية. وفي تكريم الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي، الذي تحل الذكرى الخامسة والعشرون لرحيله، بدا أن الحروف لا تموت، وأن الشعراء لا يغيبون حين تكون الأرض من طين الحكايات.

بابل تقرأ نفسها: “مؤتمر الآثاريين”

في اليوم السابع، يُعقد “مؤتمر الآثاري العالمي – بابل في بابل”، بمشاركة أربعة من أبرز علماء الآثار المتخصصين في البابليات. إنهم لا يحللون أطلالًا فقط، بل يُعيدون تفسير الزمان، ويعطون لبابل صوتًا علميًا يوازي موسيقاها.

المدينة تتزين ليومها العالمي

ولأن المكان لا يكتمل دون الاهتمام بجماله، فقد شملت الاستعدادات ترميم المسرح البابلي والحدائق والبنية التحتية، في جهد ميداني قاده علي عبيد شلغم، رئيس هيئة الآثار، لتبدو بابل على صورتها التي تليق بتاريخها، في اليوم العالمي للحضارة البابلية.

ختامٌ على إيقاع الحياة

حتى 19 نيسان، تبقى بابل عاصمة للثقافات، ومنارة للوجدان الإنساني، تهمس لكل زائر بأن الحضارة لا تُحبس في المتاحف، بل تعيش بين الناس، وتُولد من جديد كلما اجتمع البشر على الفن والجَمال والحُلم.

فإن كنت تبحث عن معنىً جديد للثقافة، أو عن تجربة تنقلك من زمنٍ إلى زمن، فإن بابل اليوم ليست مجرد ذكرى، بل ممرٌ حيٌّ إلى المستقبل…
وبفضل شاعرها الذي صار راعيًا، الدكتور علي الشلاه، ومبدعيها الذين جاؤوا من أربع جهات الأرض، أصبحت بابل أكثر من مدينة… أصبحت فكرة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours