كان في ترتيب زيارتي للعراق في شهر شباط المنصرم، في مفتتح عام 2025، وبعد اشتياق له يكاد يقرب من عشرين عامًا، القيام بزيارة خاطفة لمدينة أربيل الغالية. ومن حسن حظي أني التقيت هناك الصديق الشاعر الحساس والناقد الذكي حسن عبد الحميد، والذي يليق به وصف “حليف الأصدقاء” لما تحمله روحه من حفاوة بأصحابه ومحبة تكاد تحمل في معانيها رفرفة زفة عصافير وطعم مهرجان حبات السكر، وهذه استعارة لعنوان واحد من مجاميعه الشعرية ذات القصائد الخاطفة كخطف أسراب السنونو في سماء ربيعية.
المصادفة الطيبة الحبابة لبَّت سريعًا تحقيق رغبتي لحضور أمسية احتفاء وتواقيع كان مدعوًّا لها، أقامها المركز الأكاديمي الاجتماعي في عنكاوه/ أربيل على شرف روائية عراقية شابة لم أحظَ بمعرفتها سابقًا.
اعتلت الروائية مها الفارس المنصة باسمة بظرف وثقة، وعلى الطاولة التي تصدرت القاعة مكث أمامها كدس لا بأس به من باكورة أعمالها الروائية، رواية تلونت بغلاف رمادي يتصدره عنوان “دياجير الموصل”، وقد أهدتني إياها. وبعدما استمعت لشهادات القراء الذين أنهوا قراءتها متحمسين بشدة لها، تقتُ لقراءتها بصفحاتها البالغ عددها 486 صفحة، فحملتها معي رغم ثقل وزنها في حقيبة مسافر إلى بغداد، ومن بعدها طرت بها إلى مدينة جنيف حيث حط بي المقام فيها منذ هجرتي إليها نهاية عام 2006.
كنت أراقب الروائية المهندسة مها الفارس وهي تنظر إلى وجوه الحاضرين متوردة الوجه، متحمسة، وتجلس بثقة لا يشوبها تردد، متحدثة عن روايتها، وهو ما حفزني أكثر لقراءتها، خصوصًا أنها تناولت ثيمة ما تزال حديثة على أحبار أقلام الأدباء ولم تنل بعدُ ما يكفي من اهتمامهم بها، وأعني بذلك الحرب التي طحنت حجر مدينة الموصل وعظام أهلها، وما ارتكبته عصابات داعش من جرائم وحشية في حق سكانها وإرثها وتاريخها. وهذا بالتحديد ما كتبت عنه في روايتي الثانية “القرن بعد اكتماله”، والتي صدرت طبعتها الأولى بالتعاون مع دار العراب في دمشق ودار الصحيفة العربية في بغداد عام 2022.
تضمنت رواية “دياجير الموصل” ثلاثة أقسام تقاربت عدد صفحاتها، تناولت في القسم الأول الحياة في الموصل قبل ظهور عصابات داعش، والفصل الثاني الحياة تحت أنياب الخوف من بطشها، والثالث تناول حرب ما اصطلح على تسميته بحرب التحرير، وبه خاتمة العمل.
في البدء، سأعبر عن فرحي بالتعرف على أن الثقافة العراقية والأدب العراقي سيحظيان بأديبة واعدة وجادة تتعامل مع عملها الأدبي بما يليق به من رصانة الاحتراف رغم حداثة عمرها وتجربتها، وأعبر أيضًا عن دهشتي وإعجابي بصبر الكاتبة التي دأبت على حياكة تفاصيل روايتها ورسم صورة تكاد تكون فوتوغرافية لطبيعة العلاقات والحياة الموصلية، وكأنها بذلك كانت تطبق ما جاء في إهداء روايتها:
“إلى تلك الأرواح الخالدة في متاهات الظلم والأوجاع.. إلى الضعفاء الذين جرفهم السيل، فظنوا أنهم زبد وما هم بزبد، ولكن السيل عرمرم.. إليكم جميعًا كل جميل ما عدا هذه الرواية..!”
مها الفارس، وهي ابنة المدينة، تعرف عذابات ما كابده أهلها ومشقة ما مر بهم، كمعرفتها أزقتها القديمة وعوجاتها وأحيائها التي تدمرت فوق رؤوس ساكنيها. وقد برعت الأديبة في نقل طبيعة الصراعات السياسية وتداخل العلاقات الإنسانية، وكانت أمينة في الكتابة عن تعقيداتها وتأثيرها على قرارات أبطال روايتها، وعلى مصائرهم التي تجاوزت إراداتهم لتتحكم بها أقدار لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم عليها!
تناولت الرواية حياة عائلة مكونة من أربعة أفراد: أم وأب، وابنة مطيعة هي ماريا، الساردة التي وضعت أفكارها على ورق دفاترها، فأكبر أحلامها كان أن تنهي رواية تكتبها بعنوان “دياجير الموصل”، ضمنتها ما عاشوه في مدينتهم، أفراحهم وأحزانهم ومآزقهم الفجة والقاسية، وحتى أطباق موائدهم، دون أن تغفل بذكاء عما حملته المدينة على أكتافها من تاريخ ضارب في القدم. يعيش معها أخوها أمجد، الطالب في مرحلته الجامعية النهائية، ولسوء حظه وقع في غرام فتاة مسيحية زميلة له، لتضعنا الكاتبة في مواجهة مريرة أمام مأزق اختلاف الأديان وقمع المجتمع وسطوة الأعراف والتقاليد وتحكمها في خياراتنا الحياتية حد التسلط!
ودون أن تثقل الروائية على قارئها بتعدد الشخصيات والأبطال، وضعتنا في دائرة بشرية صغيرة، ولكنها متنوعة ومحكمة من شخوص تمثلوا بمحيط الجيران بتنوع مشاربهم وأفكارهم وانتماءاتهم.
مع كل قسم في الرواية، كانت أدوات مها الفارس تنمو أكثر وتتطور، لتبرز موهبتها الأدبية متفاعلة مع حجم الأحداث وتنوع المصائر. فقد تخلصت من إسهاب في الأحداث أثقل القسم الأول من الرواية، فتجاوزته مركزة على جوهرها في القسم الثاني، وتمكنت من شد القارئ بتشويق أعلى حتى وصلت بنا لاهثين معها إلى الخاتمة في القسم الثالث من الرواية.
تنوعت أصوات السرد في الرواية، فرغم أنها في غالبها جاءت على لسان بطلتها ماريا، غير أن السارد العليم أخذ حيزًا هو الآخر، وإن كان متواضعًا، ليشركنا بالمشهد الأبعد.. غير أن السارد العليم هذا كان بخيلًا في متابعة مصائر أبطاله مثل أمجد ونادين، وتركنا دون أن نعرف شيئًا عنهما! وصولًا إلى الخاتمة الحزينة، التي جاءت بعدما صمتت ماريا البطلة الساردة، ليروي لنا الورق الذي خلفته بعدها حكايتها بصوت سارد مجهول، ليعلنها لنا بطي صفحتي الخاتمة، وهو يمسح التراب عن دفتر الرواية المهداة لمن هم أرواح قضت نحبها بعنت الحرب وقسوتها، لكنهم لن يكونوا زبدًا قط.
بجهد يستحق الثناء، قدمت لنا مها الفارس رواية جديرة بأن تُقرأ، وإن كانت لا تخلو من بعض الهنات التي كان يمكن تداركها لو توفر لها قبل النشر قارئ محترف أو ناصح محنك. تلك الهنات سأناقشها بمحبة مع الأديبة الواعدة نفسها.
“دياجير الموصل” رواية جيدة لا يجب أن يهملها النقاد، ولا القراء، إنها رواية الإنسان، تروي عذاباته وبحثه عن الخلاص، رواية المستضعفين ممن لا صوت لهم، رواية مدينة نُكِّل بها، لكنها لن تموت.
هذا هو النص بعد التدقيق، مع الحفاظ على أسلوبك وروح كتابتك دون تغيير أي كلمة أو مفردة.
+ There are no comments
Add yours