نمتار / أكرم توفيق

ينتمي هذا النص إلى قصيدة الومضة التي تعتمد التكثيف والإيحاء أكثر من اعتمادها السرد أو المباشرة.
فالشاعر لا يروي حدثا بل يفتح نافذة على حالة نفسية تتأرجح بين الانتظار والحدس والخوف من المجهول مستعينا برموز تمنح القصيدة عمقا تأويليا.
يفتتح النص بقوله:
(لم أزل أهذي
كي لا يقطع الصمت
لساني)
وهنا يتحول الهذيان من دلالة سلبية إلى فعل مقاومة فهو ليس فقدانا للعقل بل محاولة يائسة لإبقاء اللغة حيّة في مواجهة صمت يكاد يصادر القدرة على الكلام.
إن الصمت هنا ليس مجرد غياب للصوت بل قوة ضاغطة تهدد الوجود الإنساني ذاته. ولذلك يبدو الهذيان أرحم من الاستسلام له.
ثم ينتقل الشاعر إلى صورة أكثر رحابة
(لي في المرفأ عصفور
أهديه.. قصائد ماجنات)
المرفأ رمز للوصول والرحيل معا وللمحطات التي تتقاطع فيها الأمنيات مع الخيبات.
أما العصفور فهو صورة للحرية والهشاشة والأمل وكأنه الجزء البرئ من الذات الذي ما زال قادرا على التحليق وإهداؤه (قصائد ماجنات) يضفي مفارقة جميلة فالمجون هنا ليس انحلالا أخلاقيا بل تمرد شعري على القيود ورغبة في منح الحياة شيئا من البهجة العابثة رغم ثقل الواقع.
وتبلغ القصيدة ذروتها في المشهد الأخير:
(وحين تطأ رأسه
الغيمة..
يضحك.. يضحك
لينذرني بأن الآتي
غير ما فارقني
قبل الرحيل) !!
تتداخل هنا الحركة الأرضية بالسماوية فالغيمة التي تطأ رأس العصفور ليست مجرد عنصر طبيعي بل علامة على اقتراب التحول. لكن العصفور لا يحزن بل يضحك في مفارقة تثير القلق أكثر مما تبعث الطمأنينة فالضحك يتحول إلى إنذار وكأن الكائن الأكثر براءة هو الوحيد القادر على استشراف ما سيأتي.
أما الخاتمة (بأن الآتي غير ما فارقني قبل الرحيل) فهي مفتاح النص كله إذ تترك القارئ أمام سؤال مفتوح.. هل القادم أكثر قسوة أم أكثر رحمة؟ لقد تعمد الشاعر ألا يحسم المعنى فبقيت النهاية معلقة بين الأمل والخوف وبين الرحيل بوصفه نهاية والآتي بوصفه بداية مجهولة.
لغويا تتميز القصيدة باقتصادها في العبارة واعتمادها على الصورة الرمزية بدل الوصف المباشر ، كما أن تكرار الفعل (يضحك.. يضحك) لم يأتِ للتأكيد فحسب بل لإحداث إيقاع نفسي يضاعف من أثر المفارقة إذ يتحول الضحك إلى نبوءة لا إلى تعبير عن الفرح.
إنها قصيدة قصيرة في حجمها لكنها واسعة في فضائها الدلالي تكتب القلق بلغة الرمز وتمنح القارئ فرصة المشاركة في إنتاج المعنى وهو ما يمنح نصوص حسن عبد الحميد خصوصيتها إذ لا تقدم أجوبة جاهزة بل تترك الأسئلة معلقة في أفق التأويل.
نص القصيدة
————–
لم أزل أهذي
كي لا يقطع الصمت
لساني..
لي في المرفأ عصفور
أهديه .. قصأئد ماجنات
وحين تطأ راسه
الغيمة..
يضحك .. يضحك
لينذرني بأن الاتي
غير ما فارقني
قبل ..الرحيل !!
ح.ع.الحميد



+ There are no comments
Add yours