بقلم: د.خالد شوكات
كذّبت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الظنون وخيّبت آمال الديمقراطيين، ليس في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل في جميع أنحاء الكون، فالانتخابات الرئاسية الأمريكية لم تعد شأناً أمريكيا خالصا، على الأقل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وسائر المنظومة الشرقية، حيث أضحى الرئيس الأمريكي ينظر إليه باعتباره رئيسا للعالم، وأن أفكار هذه الرئيس وتوجهاته والسياسات التي سيعتمدها لن يقف أثرها عند حدود بلاده، بل ستتجاوزها إلى آفاق الدنيا، ومن هنا كان الاعتقاد عند هزيمة ترامب سنة 2020، بأن موجة “الشعبوية” ستكسر في كل مكان خارج الولايات المتحدة، بعد أن أطلّ رأسها في البرازيل واوربا والهند والأرجنتين ودول كثيرة أخرى، بل لقد قرأ انتصار الرئيس بايدن حينها باعتباره بداية مرحلة جديدة للديمقراطية، ستكون معها أقوى في مواجهة هذه التوجهات “اليمينية المتشددة” و”السيادوية المنغلقة” وسواها من الأفكار التي حيّرت الديمقراطيات العريقة، ناهيك عن الديمقراطيات الناشئة أو الهشّة.
وليس من المبالغة القول، بأن الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، في نسختها الليبرالية التعددية المعتمدة طيلة الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تواجه تحدّيا، اثر التحديين الفاشي والشيوعي، مثل تحدّي “الشعبوية” الذي انفجر في وجهها منذ مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، مستغلّا جملة من نقاط الضعف التي طفت على السطح بعد عقود من استقرار التجربة، من قبيل اهتراء النخب السياسية وتراجع التنظيمات الحزبية وشيوع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وهي المناخات الملائمة لظهور الخطابات الشعبوية، القائمة غالبا على تبسيط الأجوبة على الأسئلة الصعبة وتقديم الحلول السهلة للأزمات المعقّدة، فالقادة الشعبيون غالبا ما يخاطبون الجمهور العريض الكاره لخطابات النخب المنمّقة، ولا يتردّدون في تجاوز جميع الخطوط الأخلاقية التي كان متفقا على احترامها، مراهنين على أن ذلك سيجعلهم أكثر مصداقية في عيون العامة وأقرب إلى الجمهور الذي ملّ غالبا الكلمات المنمّقة والعبارات المحسوبة بدقّة متناهية.
ولكنّ أخطر ما في “الشعبوية” كما يؤكد الخبراء، هو استثمارها في “الكراهية”، من خلال سعيهم غالبا إلى تأليب جزء من المجتمع على الجزء الآخر، فالناس كما يزعم الشعبويون فئتان فقط، فئة صالحة وأخرى طالحة، وفيئة صادقة وأخرى كاذبة، وفئة وطنية وأخرى خائنة، وعلى هذا النحو تراهن الجماعات والأحزاب الشعبوية على احراز أغلبية نسبية لا أغلبية مطلقة، كما تراهن على استدامة الانقسام باعتباره ضمان استمراريتها، فالخير والشر يتصارعان إلى ما لا نهاية لكن الخير الذي يمثله الخيار الشعبوي في رأي أصحابه هو من سينتصر في النهاية.
ولقد استفادت المشاريع الشعبوية، خصوصا تلك التي حققت انتصارات انتخابية، من قبيل الانتصار الأخير الذي أعاد ترامب إلى سدّة الحكم في مفارقة لم تعرف الولايات المتحدة لها مثيلا إلا مرة واحدة، من الثورة الاتصالية، ممثلة خاصة في المكانة التي اضحت وسائل التواصل الاجتماعي تحظى بها، خصوصا لدى الشرائح الشابة والأجيال الصاعدة، فكما هو مجمع عليه أن هذه الوسائط قد رسّخت واقع “التفاهة” و”الرداءة”، مما صنع جمهورا سطحيا ميّالا بطبعه لخطابات المزايدة والتقسيم والإثارة، وهي الخصائص التي تميّز أكثر الخطاب الشعبوي، على نحو جعلته قرينا لهذه الثورة والجاني الرئيسي لثماره بالمعنى السياسي، وقد أعجز هذا الواقع الاتصالي الخطابات الديمقراطية التقليدية على المسايرة، حيث ظهر قادتها غالبا في مظهر “القديم” الذي عفا عنه الزمن وتجاوزته الأحداث.
يتوّقع المهتمون بمستقبل الديمقراطية كنظام سياسي راعٍ للحرية والمواطنة الحقيقية، أن تزداد أزمة الأنظمة الديمقراطية في معاقلها التقليدية والناشئة على السواء، تعقّدا وتعفّنا، ففي ألمانيا على سبيل المثال تزداد حظوظ حزب البديل اليميني الشعبوي المتشدد أمام تراجع الحزبين التقليديين اللذين اعتمدت عليهما الديمقراطية الألمانية بعد انزياح النازية سنة 1945، وفي الهند الديمقراطية الأكبر سكانيا يواصل “باهرتيا جاناتا” حزب رئيس الوزراء الهندوسي الشعبوي مودي سيطرته على مقاليد الأمور في هذا البلد الأكثر تعدادا سكانيا في العالم، وفي الأرجنتين وصل إلى سدّة الرئاسة رئيس شعبوي خالص لم تعرف البلاد له مثيلا من قبل، وفي إيطاليا ما تزال الحالة الشعبوية منذ برلسكوني تفرز مزيدا من الأحزاب الحاكمة، من قوة إيطاليا إلى رابطة الشمال إلى خمس نجوم إلى اخوة إيطاليا، وفي فرنسا ما يزال التجمع الوطني بقيادة ماريان لوبان تترصّد الحكم وتحقق المفاجآت الانتخابية، وما يزال الاتحاد الأوربي لم يجد حلا مناسبا في مواصلة الرئيس الشعبوي أوربان وضع يده على حكم بودابست وتسيير المجر وكأنها دولة مارقة، وهكذا تبدو الأمور في دول كثيرة، بما في ذلك ديمقراطيات ناشئة كما هو حال في السينغال أو تونس أو كوريا الجنوبية، بدا الفضاء السياسي مشجعا للخطابات الشعبوية ومرشحيها إلى أعلى مناصب في الدولة..
لكن للشعبوية، وخصوصا للنسخ المتعلّقة ب”السيادة الوطنية” ما يبرّرها برأي البعض، ففي دول العالم النامي تظهر “السيادة الوطنية” كشرط أساسي لإطلاق مشاريع تنموية ذات مصداقية، خصوصا في البلدان التي نالت استقلالها منذ عقود لكنها ما تزال تعاني من وطأة المصالح الاستعمارية القديمة التي غالبا ما كانت وراء فشل جل المحاولات الجدية لتحقيق طموحات الشعب في التقدم والرفاه، خصوصا في تلك الدول التي تتوفر على احتياطيات ضخمة من الموارد الطبيعية، وحيث تشعر الساكنة المحلية بكثير من الغبن ازاء استغلالها من قبل شركات عابرة للحدود وغالبا ما تعود بالنفع على المستعمر السابق المتحّكم في كواليس الاقتصاد والسياسة معاً.
ولا يختلف هذا الأمر كثيرا عن السياقات التي ظهرت فيها خطابات شعبوية تركز على “مكافحة الفساد” كأولوية وطنية، حيث تجد مثلما هذه الخطابات رواجاً في صفوف ابناء الطبقات المتوسطة والفقيرة ممن يشعرون بوطأة استفحال ظاهرة الفساد عليهم، ممثلة أساسا في شيوع الزبونية والرشوة والمحسوبية، وكذلك ارتباط النخب السياسية بدوائر النفوذ المالي والاقتصادي، وهو ما كرّس لديهم الانطباع بأن الإصلاح مشروط بظهور الحاكم القوي مطلق الصلاحيات الذي وحده قادر على مواجهة “اللوبيات” والحد من هيمنة القوى الخفية والكارتيلات على ثروات البلاد ومقدراتها، التي غالبا ما تصوّر من قبل القادة الشعبويين فوق حجمها، وبما يقوّى مشاعر الإحساس بالغبن والآمال في الغد عند وضع اليد عليها وحسن توزيعها بين النّاس.
والثابت، رغم كل النقد الذي يمكن أن يوجّه للشعبوية كظاهرة مرتبطة بالأزمة أكثر من ارتباطها بالحلول الممكنة، أن هذا التحدي يحيل إلى اشكاليات حقيقية وأسئلة فعلية على الفكر الديمقراطي أن يجيب عليها، وهي فرصة للمراجعة والإصلاح والتطوير كما يقول المفكرون الديمقراطيون في أكثر من بلد، فإنكار الخطر قد ينتج خطرا أشد، وإهمال الاجابة قد يفضي إلى أزمات أعقد، والأهم أن عدم تدارك التجارب الديمقراطية للهنات الواقعية وعدم التماسها لحلول قابلة للتطبيق قد يجرّ عليها الويلات، وقد سبق للديمقراطية أن قادت شعوبا إلى الويلات فعلاً، عندما هوّن الديمقراطيون، خصوصا الساسة الماسكين بمقاليد الحكم منهم، مما لاح من مخاطر حينها، وكانوا واثقين أكثر من اللزوم من مؤسسات النظام الديمقراطي في الحد من تلك المخاطر، لكن الأثمان لاحقا كانت باهضة، وبعضها بلغ حد سفك دماء الملايين من الأبرياء الذين ذهبوا ضحية الأوهام خصوصا، فلتأخذ الديمقراطية إذاً تحدّي الشعبوية بالجدّية اللازمة، خاصّة في زمن التفاهة والرداءة هذا..
+ There are no comments
Add yours