بقلم رنده أبو حسن
” إن أي نظريّة لا يُصيبها أيّ تبدّل خلال ستين عاماً، تكون بذلك مختلفة عن النظريّة الأصليّة كما أطلقها صاحبها، كونها تصبح مجرّد نسخة عن نفسها، نسخة متحجّرة، وبالتالي مشوّهة تماماً “.
نستعرضُ هذه العبارة لعالم النفس الشهير إيريك فروم Erich Fromm من كتابه جوهر الحياة لنتوقّف عند سؤالٍ ملحٍّ قد يأخذ بعضاً منّا الى التأمّل في حقيقةِ مسارِ البشريّة الطويل وتقلّباتها منذ أقدم العصور الى يومنا هذا، وهو: هل أصبحنا مجرّد نسخةٍ متحجّرةٍ عن إنسانٍ تشوّهُه أفكارٌ ومعتقداتٌ دينيّة وإجتماعيّة وفكريّة تخطّاها الزّمن وأفقدَها صلاحيتها منذ إكتشاف سرعة الضوء؟
تكمن خطورة ما نحن عليه اليوم من واقع مأساوي، في إصرارنا على التمسّك بما نعتقد أنه الحقيقيةَ الوحيدة التي من دونها سنذهب جميعنا الى الهلاك. لكن، ماذا لو إفترضنا أن هناك حقائقَ أخرى مختلفة تعود إلى قِدم الأزمان، حيث يُحكى أن تجاراً أذكياءَ نجحوا بإستغلال الناس من خلال بيعهم معتقداتاً وأفكاراً وإيديولوجيات بفواتيرَ مرتفعةً جداً، لا تزال البشريّة تسدّدُ كلفتها حتى اليوم، وربّما ستستمرّ إلى الأجيالِ اللاّحقة فيما لو إستمرّت على تمسّكها المميتِ بهذه البضائع، دون أن تُدركَ حقيقتها الوهميّةَ الهادفة الى تعزيزِ سلطة وتسلّط هؤلاء التجار، واستئثارهم بعقولِ الناس وأفكارهم، والتأثيرِ عليهم وسلبهم إرادتهم من خلال بثّهم لنظريّاتٍ ومفاهيمَ مشفّرةٍ عن الحياة والحرية، عن الحقّ والباطل، عن الجنّة والنار…
نحن على أعتاب تحوّلاتٍ كبيرةٍ، تقلبُ العالمَ رأساً على عقب، فما كان مقبولاً بالأمس، نراهُ اليومَ مرفوضاً، وما كان محرّماً نراهُ مألوفاً. زمنٌ لا يُشبه الاّ نفسه، يُستباح به الفساد والإنحراف الأخلاقي واللاإنساني؛ زمنٌ يتمدّد بخطى متسارعة نحو المجهول، وهذا ليس بسببِ الشرِّ المتأصّلِ في الإنسان كما يزعمُ البعض، بل نتيجة الهوّةِ العميقةِ التي زرعها الإنسانُ ما بين وجوده وجوهره ؛ ونتيجة إخفاقِه في تحديد حاجاتِه التي تتناسبُ مع إمكاناته الطبيعية. وقد تقع الواقعة حين يحصلُ ما لا نرغب به، ويتملكنا الإستغراب والنقمة، حين يتدخّلُ القدر للقيامِ بالحلولِ بدلاً منّا، فتبدأ المعاناة وتبدأ معها رحلة البحثِ عن أعذارٍ لسلوكنا، فنتورّع بالصلاةِ خوفاً، أو ننتظر أعجوبة سماوية … في حين أن الوقت يتطلّب منّا الوعي والتأمل في حقيقة هذا الكون وفي حقيقةِ الإنسان للقيام بالتغيير المطلوب.
إن ما نخشاهُ هو أن تكون الأيام التي نعيشها، الأخيرة التي نستطيع التمتّع فيها بإمكانية الإختيار، بين ما نريد وما يُفرض علينا. يقول ماركس: “تخسرون حرّيتكم إذا ما استمريتم في رفض النظر الى الحقيقة، وإذا لم تقوموا بالمستحيل لنزع النير الذي يكبّلكم”
إن كلّ أزمةٍ مهما كان نوعُها ومنشأها، تحمل في طيّاتها مخاطرها وأيضاً فرصَها الإيجابية؛ ومن الممكن أن تتّجه بنا إمّا صوب السلام، وإمّا صوب الدّمار. وفي هذا العالم المشرّع على الدّمار والموت، أليس بإمكان الإنسان تغيير الزاوية التي ينظر من خلالها والتطلّع الى جوهر علاقته بكل ما يحيط به؟ فإذا كنا نطمح لتحقيق مجتمع إنساني تسود فيه قيَم الخير والحق والعدالة، فهل يجوز الإستمرار في لعبةٍ أبطالها نِعاجاً تحكمها ذئاب؟ أو أن نمضي قدماً في تبنّي أفكار ومعتقدات القرون الوسطى وننتظر نتيجة عادلة ؟
إن ما توصلت اليه الأبحاث العلمية من تطوّر على كافة المستويات من تكنولوجيا وعلوم الذرّة والهندسة الجينية… أضفت إلى حقيقة واحدة تقول ” إن كل شيء يتغيّر ويتبدّل، والثابت الوحيد في الكون أن لا شيء ثابت “.
لسنا نحنُ من يضعُ للكونِ قوانينه، ولو أننا مُنحنا عطيّة الفكرِ ونعمةَ الإختيارِ الظاهر والمبادرة المسؤولة، إن المشكلةَ الأساسيّة هي في الفكر الذي يخضعُ لقانون النسبيّة والذي لا يزال يتحكّم بحياةِ الناس وعملهم وليس العقل؛ بدليل أن العنف والأمراض الجسدية والنفسية لا تزالُ تصيب البشرية في عمقها، الأمر الذي يتطلّب منّا البحث عن ثورةٍ حقيقية، ثورةُ الإنسانِ على نفسِه أولاً لإسترجاع توازنه وقوّته الطبيعية، وربطها بمصدر وجوده والتوقّف عن دفع الفواتير الوهمية لأربابها.
إن عقلَنا هو جزءٌ وانبعاثٌ لطاقةِ الكون، ونتيجةٌ لتطوّر الحياة في شموليتها. فالإنسان الذي ارتفعَ، عبر العصور، من مرتبةِ الغريزة الى مرتبة الفكر، الا يستطيع أن يَستكمِلَ المسار الطبيعي للتطوّر والإرتقاء، بالإرتفاعِ من مرتبة الفكرِ الى مرتبةِ العقل ؟.
+ There are no comments
Add yours