كتب / مدير التحرير
في مدينة السليمانية، حيث يلتقي عبق التاريخ مع صخب الحداثة، يتجدد اللقاء مع مهرجان كلاويژ الثقافي، الذي يتجاوز كونه حدثًا سنويًا ليصبح أيقونة فكرية وجمالية في المشهد الثقافي الكوردي والعالمي. في نسخته السابعة والعشرين، وتحت شعار “من أجل هيبة الكلمة، كلاويژ مستمر”، يثبت المهرجان مرة أخرى أن الكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي قوة قادرة على بناء الجسور بين الثقافات، واستنهاض القيم الإنسانية السامية.

منذ عقود، وتحديدًا منذ أن حمل اسم الروائي الكوردي الكبير (إبراهيم أحمد) الذي أطلق أول مجلة كوردية بعنوان “كلاويژ” في الأربعينيات، أصبح المهرجان منبرًا للحوار الثقافي والإبداعي. فهو ليس مجرد احتفاء بالأدب والفنون، بل يعبر عن رؤية فلسفية جريئة تؤمن بأن الثقافة هي الحارس الحقيقي لهوية المجتمعات، وسلاحها الأنجع في مواجهة التحديات.
في عالم يزداد فيه الصخب، ويطغى فيه الخطاب السطحي، يأتي مهرجان كلاويژ ليعيد للكلمة هيبتها، ويرسخ مكانتها كوسيلة للتأمل والتغيير. فالكلمة هنا ليست مجرد حروف تُنسج، بل هي نبضٌ للحياة، وصدى للأفكار، وجسرٌ يصل بين الشعوب مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم.
على مدار ثلاثة أيام، شهد المهرجان فعاليات متنوعة تجمع بين الشعر، والقصة، والنقد، والجلسات الفكرية والجمالية. ففي فضاءاته، يلتقي الأدباء والباحثون من مختلف أنحاء العالم ليطرحوا تساؤلات عميقة حول القيم الثقافية والإنسانية المشتركة.
ومع معرض الكتاب، الذي يضم عناوين لكتّاب من مختلف دول المنطقة، تنفتح أبواب المعرفة على مصراعيها، مقدمةً للجمهور نافذة تطل على تجارب أدبية وفكرية متنوعة. وفي معرض الأعمال اليدوية للنساء، يحتفي المهرجان بالإبداع الحرفي، ويبرز دور المرأة كصانعة للجمال والهوية الثقافية.
ولا يقتصر المهرجان على الاحتفاء بالثقافة المحلية فقط، بل يمتد ليشمل أبعادًا دولية، حيث يشارك فيه 12 باحثًا من الكورد والعرب وغيرهم، بالإضافة إلى حضور شخصيات أدبية وثقافية من أكثر من 180 ضيفًا من أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.
إن أحد أبرز ملامح مهرجان كلاويژ هو تكريمه للإبداع من خلال الجوائز الذهبية التي تُمنح للفائزين بالمراتب الأولى في المسابقات الأدبية. وفي هذا العام، تُخصص جائزتان ذهبيتان الأولى لأديب كوردي، والأخرى لأديب أجنبي. هذا التقدير يشير إلى فلسفة المهرجان في تعزيز روح المنافسة الإيجابية، وتشجيع التميز الأدبي، وإبراز أهمية تكامل الثقافات.
تلك الجوائز ليست مجرد مكافأة مادية، بل هي اعتراف بقيمة الجهد الإبداعي، ودعوة مستمرة للمبدعين لمواصلة رحلتهم في عوالم الكلمة والفن.
من بين أبرز ما يميز مهرجان كلاويژ هو استمراريته منذ 27 عامًا دون انقطاع. ففي عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة، يبقى المهرجان شاهدًا على قدرة الثقافة على الصمود، وعلى إصرار السليمانية على أن تكون منارة للفكر والإبداع.
الدكتورة ابتسام إسماعيل ، رئيسة المهرجان، تؤكد أن الهدف الأساسي للمهرجان هو استكشاف منابع الثقافة المحلية والعربية والعالمية. هذا الهدف يعكس رؤية عميقة ترى أن الثقافة ليست حكرًا على أحد، بل هي ملك للجميع، وأن الحوار الثقافي هو السبيل الوحيد لبناء عالم أكثر فهمًا وتسامحًا.
إن الشعار الذي يحمله المهرجان هذا العام، “من أجل هيبة الكلمة، كلاويژ مستمر”، ليس مجرد عبارة جميلة، بل هو دعوة للتأمل في دور الكلمة في حياتنا. ففي عصر تتراجع فيه القيم أمام المصالح، وتتفكك فيه الروابط الإنسانية أمام النزاعات، تأتي الكلمة كوسيلة لإعادة بناء الإنسان.

الكلمة في مهرجان كلاويژ ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي فلسفة حياة. إنها دعوة للتفكير، وللإصغاء، وللتحاور. إنها وسيلة لإعادة اكتشاف الجمال في عالم غارق في القبح، ولإعادة بناء الجسور في عالم مليء بالجدران.
بين الماضي الذي يمثله اسم إبراهيم أحمد، والحاضر الذي يعبر عنه المهرجان، والمستقبل الذي يطمح إليه، يظل مهرجان كلاويژ علامة فارقة في المشهد الثقافي الكوردي والعالمي. فهو ليس مجرد حدث سنوي، بل هو رحلة مستمرة نحو استكشاف أعماق الإنسان، ونحو بناء عالم أكثر إنسانية وجمالًا.
في السليمانية، حيث تنبض الحياة بالإبداع، يثبت مهرجان كلاويژ أن الكلمة، مهما بدت بسيطة، تملك القدرة على تغيير العالم. ومن أجل هيبتها، سيبقى كلاويژ مستمرًا، يحمل مشاعل الفكر، وينثر أزهار الجمال في دروب الإنسانية.
ايهاب عنان
——




+ There are no comments
Add yours