نمتار / كتب علي حسين
أكرر هنا باستمرار، أنني أحاول قدر طاقتي وتحملي، الابتعاد عن سير خط ساستنا “الأفاضل”، وأن أشغلكم بالحديث عن الكتب، وأصدّع رؤوسكم بمقولات سارتر وشكسبير، لكنني يا سادة أعود مرغماً لكتابة عمود عن واحد من مسؤولي هذا العصر، بالأمس وأنا أتجول في هذه الشبكة العنكبوتية والتي نستخدمها في مرات كثيرة لبث الكراهية، والسخرية من الشعوب، وترديد أسطوانة أننا علمنا البشرية القانون، من دون أن نحترم المرحوم حمورابي الذي حاول قبل ما يقارب الأربعة آلاف عام أن يرشد البشرية إلى شيء ينظم حياتهم أطلق عليه الشرائع أو القوانين. لكن المشرع العظيم لم يدر بخلده يوماً أن مسلته ستلقى الاحترام في بلاد الغرب، وستحتضنها بلاد “العم” ديغول الزعيم الذي أنقذ فرنسا من سطوة هتلر، فيما بلاد الرافدين استبدلت القانون بـ”الكعدة العشائرية”. أعود لجولتي في الإنترنت حيث شاهدت فيديو لرئيس مجلس محافظة بابل السيد أسعد المسلماوي وهو أحد قياديي تيار الحكمة يقول فيه: “آني إيراني، وطز بمناصب الدولة، وهذا منصبي مسخّر لخدمة المذهب”. طبعاً لا اعتراض عندي على قناعات أي شخص وولاءاته، فهو حر، لكن عندما يكون صاحب التصريح رئيساً لمجلس محافظة عراقية ويخبرنا أن ولاءه لبلد ثانٍ وأن العمل المؤسساتي بالنسبة له ينحصر في خدمة المذهب فقط، فهذا أمر يجب أن نتوقف عنده، وعلى الحكومة مسؤولية محاسبة كل من يعتقد أنه أكبر من مؤسسات الدولة.
واسمحوا لي ان أسأل صاحب مقولة ” طز بالمناصب ” هل قرأ بيان وزارة التخطيط الذي صدر في شهر نيسان من هذا العام ؟ والذي جاء فيه : أن محافظة بابل جاءت بالمركز الثاني في معدل الفقر حيث سجلت نسبة 35 بالمئة، طبعاً محافظة المثنى ما زالت تسجل أعلى معدل للفقر بنسبة 44 بالمئة.
وأنا أستمع إلى حديث السيد رئيس مجلس محافظة بابل، كنت قد قرأت كتاباً بعنوان “بلاد الرافدين وصناعة العالم الحديث” كتبته أستاذة دراسات الشرق الأوسط في جامعة ليستر البريطانية “سيلينا ويزنوم”، وهذه الباحثة مغرمة بتراث العراق القديم الذي تعتبره الصانع الحقيقي لحضارات العالم، فهي ترى أن الكتابة ليست الإرث الوحيد من بلاد النهرين، فهذه البلاد وخصوصاً إمبراطورية بابل، ولدت فيها الكثير من المفاهيم المؤسسة للحضارة مثل: المدنية، والصناعة المصرفية، والقوانين، وعلوم الفلك التي كان لهم السبق فيها، فبابل: “لم تكن مهد الحضارات ونشأتها الأولى فحسب، بل في عطائها الدائم الذي امتد لقرون”.
أغلق كتاب السيدة سيلينا ويزنوم، وأتطلع إلى وجه رئيس مجلس محافظة بابل، لأكتشف جيداً أننا في محنة، ليست الأولى، وقد لا تكون الأخيرة. وأصعب المحن هي المتعلقة بالإساءة إلى الوطن وتاريخه.
أن يخرج علينا مسؤول كبير في محافظة لها تاريخ ناصع مثل بابل، قدمت لنا رموزاً نعتز بها مثل طه باقر، وعلي جواد الطاهر، ومحمد مهدي البصير، وأحمد سوسة، والشيخ عبد الكريم الماشطة، ومئات ممن رصعوا تاريخ هذه البلاد بمنجزاتهم الفكرية، ليصر على الاستهانة ببلاده ويضع العلم الوطني جانباً، من اجل ان تعيش معه المحافظة تحت خط الفقر وفي ظل رايات اخرى.

+ There are no comments
Add yours