زيارة الزيدي الى طهران وأنقرة.. ماذا بعد ؟

 نمتار / عماد آل جلال

لم يكن انتقال رئيس الوزراء علي الزيدي من واشنطن إلى طهران ثم إلى أنقرة في غضون أيام مجرد حركة دبلوماسية اعتيادية. فالتوقيت في السياسة لغة قائمة بذاتها. وكل زيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تحمل من الدلالات ما قد يفوق ما يعلن عنها في المؤتمرات الصحفية والبيانات الرسمية.

العراق يقف اليوم عند مفترق طرق لا يسمح له بالحياد السلبي ولا بالانحياز الكامل فهو يرتبط مع الولايات المتحدة بشراكة أمنية واقتصادية يصعب الاستغناء عنها ويرتبط مع إيران بجغرافيا لا تتغير ومصالح متشابكة لا يمكن تجاوزها كما تجمعه مع تركيا ملفات استراتيجية تمتد من المياه إلى التجارة والطاقة وأمن الحدود. ولهذا تبدو الحركة بين هذه العواصم أقرب إلى محاولة لرسم مساحة عراقية مستقلة وسط شبكة معقدة من المصالح المتعارضة.

ليست بغداد في موقع يسمح لها بتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط لكنها تمتلك ما قد يكون أكثر أهمية في هذه المرحلة وهو القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف فقدت الثقة ببعضها إلى حد بعيد.

بغداد تدرك أن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران يضع العراق في قلب دائرة الخطر. فكل تصعيد عسكري يعني تهديدا مباشرا للاستقرار الداخلي وللاقتصاد العراقي ولجهود إعادة الإعمار وجذب الاستثمار.

هذا الإدراك لا يقتصر على العراق وحده. فدول الخليج تنظر بقلق إلى أي احتمال لانفجار مواجهة واسعة قد تهدد أمن الطاقة والممرات البحرية وتبدد ما تحقق من استقرار اقتصادي. والدول الأوروبية ترى أن بقاء حالة، لا حرب  لا سلم، في الشرق الأوسط ستكون له ارتدادات مباشرة على أمن القارة وأسواقها وملف الهجرة. أما تركيا فترى أن استقرار العراق جزء من أمنها القومي وأن أي اضطراب واسع ستكون له كلفة سياسية واقتصادية عليها.

وسط هذا المشهد تبدو بغداد وكأنها تختبر فرصة تاريخية لاستعادة شيء من ثقلها الإقليمي. غير أن نجاح هذا المسعى لا يتوقف على حسن النوايا وحده بل على قدرة العراق على إقناع الجميع بأنه يتحرك انطلاقا من مصالحه الوطنية لا بصفته ممثلا لمصالح الآخرين.

ربما لا يملك العراق مفاتيح إنهاء أزمات الشرق الأوسط لكنه يستطيع أن يمنع تحول أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours