نمتار / د. ياسين احمد خلف
في احدى محاضراته وضع استاذ التصوير الفوتوغرافي في معهد التدريب الاذاعي والتلفزيوني في بداية السبعينات اصابعه الثلاثة بين الاذن والعين وقال:
بين الحقيقة والكذب ثلاثة اصابع والتفتَ يمنة ويسرة كي يرينا ذلك .
في اللحظات الاولى لم نكن ندرك ما الذي يريد قوله ،ثم اكمل ،أن ترى يعني ذلك حقيقة ،وان تسمع ليس بالضرورة ان تكون ما سمعته حقيقة.
اليوم لا اصابع بين الاذن والعين او بين ما تسمع وترى فالتكنولوجيا ازالت الفروق بين الحقيقة وغير الحقيقة.
في السابق كان لدينا مثل يقول لا تصدق كل ماتسمع وصدق نصف ما ترى اما اليوم فلا تصدق كل ما تسمع ولا كل ما ترى.
كيف نفهم ونتصرف على ضوء هذا المثل فقد التبس الامر لنا او على الاقل لبعضنا؟
في وسائل التواصل الاجتماعي نكاد لا نفرق ابدا بين مانرى من صور عن حضارات سادت وامتلكت تكنولوجيا عظيمة اعظم من تكنولوجيا العصر ،اين الحقيقة وكيف البرهان .
من أخطر قضايا عصرنا:
لم تعد المشكلة في الكذب وحده، بل في قدرة الكذب على التشبّه بالحقيقة.
ما قاله أستاذ التصوير في السبعينات كان يحمل حكمة كبيرة، كان يقصد أن العين أقرب إلى اليقين من الأذن، لأن الإنسان قد يسمع الإشاعة أو التحريف، أما الرؤية فتعطيه شعورًا مباشرًا بالحقيقة.
لكن التكنولوجيا الحديثة قلبت المعادلة كلها، اليوم يمكن للصورة أن تُكّذب،
وللفيديو أن يِمثّل وللصوت أن يُقلَّد وللذكاء الاصطناعي أن يصنع وجوهًا لم تولد أصلًا، ومدنًا لم توجد، وأحداثًا لم تقع ولهذا أصبح المثل القديم بحاجة إلى تعديل فلسفي جديد.
في الماضي كنا نخاف من الكلمة الكاذبة،أما اليوم نخاف من الحقيقة المصنوعة
وامثلة عن صور الحضارات القديمة والتكنولوجيا العجيبة المنتشرة في وسائل التواصل تحيرنا لان كثير اّ منها يعتمد على عنصر نفسي عميق.
الإنسان يحب الغموض، ويحب أن يصدق أن هناك أسرارًا خفية ضاعت من التاريخ، لأن ذلك يمنحه شعورًا بأن العالم أكبر مما نعرفه، لكن المشكلة ليست في الخيال نفسه، بل عندما يتحول الخيال إلى “حقيقة جماهيرية” بسبب التكرار والصورة المؤثرة .
قديماً كان الكذب يحتاج إلى راوٍ بارع،أما اليوم فيكفي برنامج تصميم جيد
وهنا يظهر السؤال الأهم:
أين الحقيقة؟
أعتقد أن الحقيقة اليوم لم تعد موجودة في “الرؤية وحدها” ولا في “السماع وحده”،بل في القدرة على التفكير والمقارنة والتحليل:
أي أن الإنسان المعاصر يحتاج إلى ثلاث أدوات:
– العقل النقدي أن يسأل دائمًا
مَن نشر هذا؟ ولماذا؟ وهل توجد مصادر متعددة تؤكده؟
– المعرفة التاريخية والعلمية
لأن الجهل يجعل الإنسان يصدق أي صورة مبهرة أو رواية غريبة
– الهدوء أمام الصدمة
فالكثير من الأخبار الكاذبة تعتمد على إثارة الخوف أو الدهشة كي تمنع الإنسان من التفكير ،او اثارة فتنة .
ولهذا ربما نستطيع أن نقول:
في زمن التكنولوجيا، لم تعد العين شاهدًا كافيًا،بل أصبح العقل هو العين الحقيقية
وأظن أن أخطر ما يحدث اليوم ليس تزوير الصور فقط،بل تزوير الوعي نفسه،حتى أصبح بعض الناس يعيشون داخل “واقع إلكتروني” أكثر من الواقع الحقيقي.
التكنولوجيا غدت حالة أربكت ميزان الإنسان بين السمع والبصر والحقيقة. لأن المشكلة ليست في الآلة وحدها، بل في الإنسان حين يفقد أدوات التمييز،
وهي أن الحضارات القديمة نفسها كانت تقوم على “الرواية”، أما حضارتنا الحالية فتقوم على “الصورة”.
لكن الرواية القديمة كان يمكن مناقشتها، بينما الصورة الحديثة تمتلك سلطة نفسية هائلة تجعل الإنسان يصدقها قبل أن يفكر فيها ومع ذلك، لا أعتقد أن الحقيقة ضاعت بالكامل. الحقيقة ما زالت موجودة، لكنها أصبحت تحتاج إلى جهد وصبر وتواضع في البحث عنها فالإنسان الذي يظن أنه يعرف كل شيء يصبح أسهل ضحية للخداع.
اعتقد أن أستاذنا لو عاد اليوم لربما وضع يده على رأسه بدل الأذن والعين، وقال:
“المشكلة لم تعد فيما نسمع أو نرى،بل فيما نصدق”.




+ There are no comments
Add yours