نمتار / د. حسين الأنصاري
في زقاق ضيق من أزقة بعقوبة، يتنفس المشهد الثقافي بصعوبة بالغة، منزويا بين جدران مقهى (أبو رقية) الذي لم يعد بتسع لاعداد المثقفين المتزايدة وهو يحتضن اسبوعيا نشاطات منتدى الابداع الثقافي العربي ، وبين جدران (بناية السراي) التي تتساقط حجارتها ويخفت صوتها ، وكأنها تئن تحت وطأة إهمال مقصود يريد لها الموت البطيء. هذا العمود ليس مناشدة عاطفية تذرف الدموع على أمجاد مضت، بل هو اشارة وتنبيه واحتجاج من رأي عام يشخص تقصيرا متعمدا، وتجاهلا صارخا لقيمة رموز خالدةٍ صنعت تاريخ هذه المدينة والوطن.
انه خطاب نتوجه به الى المسؤولين في المحافظة والبلدية، فنضع أيديهم على الجرح قبل أن نضعها على الجدار المتصدع. فنحن مللنا من الوعود والعناوين والكلمات البراقة التي تقال في اللقاءات و الاحتفالات الرسمية، لكنها محرد كلمات سرعان ما تتبخر كسراب في صحراء البيروقراطية.
بل تبين لنا إن الثقافة في موازنة المحافظة ليست سوى رقم هامشي يذكر ثم ينسى، بينما تتدفق الأموال طائلةً لتعديل أرصفة خرسانية، أو تبليط شارع عابر، أو تغيير أعمدة إنارة، وكأن المدينة تخلو من سكانها المبدعين! ينبغي ان تدركوا جيدا أن المجتمعات لا تبنى بطبقات الإسفلت، بل بطبقات الوعي الفكري والإبداع الإنساني.
وبعقوبة، التي لا تبعد سوى ستين كيلومتراً عن قلب العاصمة، كانت قبلة للمبدعين وملتقى النخبة من كل المحافظات، لكنها اليوم تقف عاجزة حتى عن استضافة أمسية شعرية أو معرض رسم واحد او تقديم عرض مسرحي، ليس لأن أبناءها افتقروا إلى الموهبة، بل لأن إدارتكم افتقرت إلى الرؤية. أغلقت المراكز الثقافية واهملت قاعة العرض اليتيمة ( قاعة التربية) والبعض منها تحول لاستخدامات اخرى، ولم يبق لرجال الفكر والفن إلا ذلك المبنى المهترئ، السراي العثماني، الذي تحول من رمز للسلطة إلى ملجأ متواضع للأحلام، وكأن المبدعين في بعقوبة يكافئون بسفف يهددهم بالسقوط كل لحظة.
دعونا نتوقف مليا عند هذه الجريمة بحق الذاكرة ، مبنى كان مقرا للوالي العثماني، ثم للحاكم العسكري البريطاني، ثم للمتصرفية او المحافظة، أي أنه يختزل تاريخا يمتد من الدولة العثمانية إلى العهدين الملكي والجمهوري، يترك اليوم ليأكله الصدأ، وتلعب به الرياح والامطار، وكأنكم تنتظرونه يتساقط لتتخلصوا منه إلى الأبد تحت ذريعة الانهيار الطبيعي إن تبرير عدم ترميمه بشح الميزانيات هو جواب غير معقول بل انه يشير الى تخريب ممنهج للذاكرة الوطنية، فكيف يكون الترميم عالة على الميزانية، بينما تصرف الملايين على مشاريع لا وزن لها ولا قيمة؟ هل تنتظرون اللحظة التي ينهار فيها على رؤوس النقابات والجمعيات الثقافية ‘؟
إن هذا التجاهل لا يقف عند حدود جدران السراي المتآكلة، بل امتدت إلى جريمة أكبر تتمثل في تجاهل المبادرات الذكية المقدمة من ممثلي مثقفي المدينة بايجاد اماكن للنشاط الثقافي. فالفنان سالم الزيدي، وغيره من رموز الإبداع، تقدموا بطلب مباشر وواضح إلى مديرة بلدية بعقوبة لتخصيص موقع على ضفاف نهر خريسان، ليكون منتدى ثقافيا يليق بتاريخ المدينة، بدلا من ذلك المقهى الضيق، وأسوة بتلك المقاهي الأخرى التي تهدر فيها أوقات الشباب في ألعاب إلكترونية وتمضية وقت فارغ. لكن الطلب، حتى كتابة هذه السطور، ما زال يغرق في مستنقع الصمت الرسمي والتهميش المتعمد ربما!
أيها المسؤولون، أليس من المعيب أن يقف مثقفو بعقوبة، وهم بهذا الحضور الفني والعمق الإنساني، على أبواب البلدية متوسلين مكانا يليق بهم وبأجيالهم القادمة، بينما أنتم منهمكون في تحصيل إيرادات البسطات، ومخالفات البناء، وأمور لا تليق بحجم مسؤولياتكم؟ نهر خريسان ذلك المتنفس الطبيعي، يترك مهملا مهجورا ، بينما يقترحه المثقفون حلا جماليا عمليا وخلاقا، لكن همتكم لا تتسع لأكثر من تنظيف مجراه مؤقتا قبيل زيارة رسمية عابرة، ثم يعود إلى إهماله الأول.
إن ما يحدث في بعقوبة ليس مجرد نقص في اعادة تأهيل البنى الاساسية والحياة ، بل هو جرح نازف في جسد الحراك الثقافي العراقي بأكمله. رموزنا الخالدة من أساطين الفكر والإبداع لا يستحقون هذا المقهى الضيق المكتظ، ولا يستحقون تلك البناية الآيلة للسقوط. هم من يمنحون المدينة هيبتها وحضورها، فلماذا يعاملون بهذا التجاهل المريب؟
نقولها هنا بكل وضوح ، إن رقي المجتمع يقاس بوعيه الثقافي، لا بعدد أعمدة الإنارة او الاسفلت الجديد للشوارع. وأن أي إدارة محلية تتغاضى عن هذا الجانب الحيوي هي إدارة غير مؤهلة ، لأنها تتعامل مع البنى التحتية كغاية، وتنسى أن الرأس الذي يفكر هو جوهر العمران. مثقفو بعقوبة ليسوا عالة على المجتمع، بل هم الرئة التي تتنفس منها المدينة، وإهمالهم هو إهمال للتاريخ نفسه، وأي تناسي او اهمال لمطالبهم هو خيانة صريحة للأجيال القادمة. لذا نحن نناشدكم..
هنا ومن اجل تاريخ بعقوبة المدينة التي حملت مشعل الثقافة حين خمدت مشاعل غيرها. افتحوا أعينكم جيدا على بناية (السراي )قبل أن تتحول حجارتها إلى رماد تحت أقدام مبدعينا، واستجيبوا لدعوة المثقفين بتخصيص موقع على نهر خريسان او اي مكان اخريصلح ان يكون متنفسا حضاريا يليق بجلال المدينة وعراقة مثقفيها

+ There are no comments
Add yours